وهبة الزحيلي
30
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لكل ناظر عاقل متأمل ، كما قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ ، فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء 21 / 18 ] . فقه الحياة أو الأحكام : تدل هذه الآية على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه اللّه الملك والعزّ والرّفعة في الدنيا ، وتدل أيضا على جواز أن ينعم اللّه على الكافرين في الدنيا ، ثم يحرم منها في الآخرة ، ولا يجد إلا النار . وتدل على إثبات المناظرة وصحة المجادلة في الدين وإقامة الحجة ، وفي القرآن والسنة مواقف كثيرة من هذا الجدال ، كما في قصة نوح عليه السلام مثلا : قالُوا : يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ هود 11 / 32 - 35 ] إلى قوله : وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ، لأن الجدال في الدّين لا يظهر فيه الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل . وجادل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الكتاب ، وباهلهم « 1 » بعد بيان الحجة . وتجادل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم السقيفة وتدافعوا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله ، ثم تناظروا أيضا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة ، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده . وفي قول اللّه عز وجل : فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [ آل عمران 3 / 66 ] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر . وأدب المجادلة محدد مرسوم في القرآن الكريم في قوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل 16 / 125 ] .
--> ( 1 ) المباهلة : الملاعنة ، ومعنى المباهلة : أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء ، فيقولوا : لعنة اللّه على الظالم منا .