وهبة الزحيلي

214

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها » « 1 » أي أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يؤثر فيه إلا مريم وابنها . فتقبل اللّه مريم من أمها بأبلغ قبول حسن ، ورضي أن تكون محررة خالصة للعبادة وخدمة البيت على صغرها وأنوثتها ، ورباها ونماها بما يصلح أحوالها تربية عالية تشمل الجسد والروح ، كما يربى النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزارع إياه بالسقي والتسميد والعزق وقلع الأعشاب الضارة من حوله . وجعل زكريا - وكان زوج وخالتها وكان معروفا بالخلق والتقوى - كافلا لها وراعيا مصالحها حتى شبت وترعرعت . وإنما قدر اللّه كون زكريا كفيلها لسعادتها ، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا . وكان كلما دخل زكريا عليها المحراب ، وجد عندها خيرا كثيرا ورزقا وافرا ، وألوانا من الطعام لا توجد في مثل ذلك الوقت ، قال جماعة من مفسري التابعين : كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف . فيقول لها : يا مريم ، من أين لك هذا ؟ والأيام أيام جدب وقحط ، قالت : هو من عند اللّه الذي يرزق الناس جميعا ، بتسخير بعضهم لبعض ، إن اللّه يرزق من يشاء من عباده بغير حساب . قيل : هو من قول مريم ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا ، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد . فقه الحياة أو الأحكام : كان المشركون وأهل الكتاب ينكرون نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه بشر مثلهم ، ولأنه ليس من بني إسرائيل ، فرد اللّه عليهم : إن اللّه اصطفى آدم أبا البشر .

--> ( 1 ) وفي لفظ : « ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد ، فيستهل صارخا من مسّه إياه ، إلا مريم وابنها » ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ .