وهبة الزحيلي
202
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الدّين ، واتّخاذهم أولياء وأنصارا في شيء تقدّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة ؛ لأن فيه إعانة للكفر على الإيمان . و قصة حاطب المسندة في الصحيحين وغيرهما ملخصها : « أن حاطبا كتب كتابا لقريش يخبرهم فيه باستعداد النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم للزّحف على مكة ، إذ كان يتجهّز لفتحها ، وكان يكتم ذلك ، ليبغت قريشا على غير استعداد منها ، فتضطر إلى قبول الصلح - وما كان يريد حربا - وأرسل حاطب كتابه مع جارية وضعته في عقاص شعرها ، فأعلم اللّه نبيّه بذلك ، فأرسل في أثرها عليّا والزّبير والمقداد ، وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها ، فلما أتي به ، قال : يا حاطب ما هذا ؟ فقال : يا رسول اللّه ، لا تعجل عليّ ! إنّي كنت حليفا لقريش ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاني ذلك من النّسب فيهم أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أما إنه قد صدقكم » ، واستأذن عمر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قتله فلم يأذن له ، قالوا : وفي ذلك نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [ الممتحنة 60 / 1 ] . أي أن آية : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ . . لم تنزل في قصة حاطب ، وإنما هذه الآية وما نزل في قصة حاطب يشتركان في النهي عن موالاة الكافرين . ولا تمنع هاتان الآيتان وأمثالهما التّحالف أو الاتّفاق بين المسلمين وغيرهم ، وإن كان التّحالف أو الاتّفاق لمصلحة غير المسلمين ؛ لأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان محالفا خزاعة ، وهم على شركهم .