وهبة الزحيلي

200

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فالمصلحة العامة أولى وأحقّ بالمراعاة . فإن كانت الموالاة والمحالفة لمصلحة المسلمين ، فلا مانع منها ، فقد حالف النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم خزاعة ، وهم على شركهم . وإنما الواجب موالاة المؤمنين بعضهم بعضها ، والاعتماد عليهم في الشؤون العامة . قال ابن عباس : نهى اللّه أن يلاطفوا الكفار ، فيتّخذوهم أولياء . ومعنى الموالاة الممنوعة : الاستنصار بهم والتعاون معهم والاستعانة بهم لقرابة أو محبة ، مع اعتقاد بطلان دينهم ؛ لأن الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم ، والموالاة بمعنى الرّضا بكفرهم كفر ، لأن الرّضا بالكفر كفر . أما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدّنيا بحسب الظاهر ، مع عدم الرّضا عن حالهم ، فليس ممنوعا منه . ومن يوالي الكافرين من غير المؤمنين أي يتجاوز المؤمنين إلى الكفار ، كأن يكون جاسوسا للكفار ، فليس من دين اللّه ولا من حزبه أو من ولاية اللّه في شيء ، أي يكون بينه وبين اللّه غاية البعد ، ويطرد من رحمته ، ويكون منهم ، ولا يكون مطيعا لدينه ، كما قال : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ : إشارة إلى اتّخاذهم أولياء ، وهذا يدلّ على المبالغة في ترك الموالاة ؛ إذ نفى عن متوليهم أن يكون في شيء من اللّه . ثم استثنى سبحانه حالة تجوز فيها موالاة الكفار ، وهي حالة الخوف من شيء ، يجب اتّقاؤه منهم ، كالقتل مثلا أي حال اتّقاء الضّرر ؛ فتجوز موالاتهم حينئذ ؛ لأن « درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح » . وإذا جازت موالاتهم لدفع الضّرر ، فتجوز لنفع الإسلام والمسلمين . ويكون ذلك للضّرورة ، مثل النّطق بالكفر حال الإكراه : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل 16 / 106 ] . ويحذركم اللّه عقابه ، وفي ذكر نَفْسَهُ إشارة إلى أن الوعيد صادر منه