وهبة الزحيلي
154
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة ، والراسخون معطوف عليه ، على معنى : لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم . قال ابن عباس : أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله . فالمتشابه يعلمه الراسخون ؛ لأن اللّه تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال ، ذاهبين فيه إلى ما يخالف المحكم ، والراسخون في العلم ليسوا كذلك ، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه ، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم . وأما قوله تعالى : يَقُولُونَ : آمَنَّا فهو كلام مستأنف ، لا ينافي العلم ، فهم يجعلون المحكم هو الأساس ، ويؤمنون بأن كلا من المحكم والمتشابه من عند اللّه ، وكلاهما حق وصدق ، وكل واحد منهما يصدق الآخر ، ويدل لذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا لابن عباس بقوله : « اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل » . والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هاديا للناس : هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة ، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون ؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به ، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء ، ولهذا قال تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة ، والفهوم المستقيمة . ووصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الراسخين في العلم - فيما يرويه ابن أبي حاتم عن عبيد اللّه بن يزيد التابعي الذي أدرك أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الراسخين في العلم ، فقال : « من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم » . ثم ذكر دعاء هؤلاء الراسخين للثبات على فهم المتشابه وهو : 1 - رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا . . الآية ، أي إن الراسخين في العلم المؤمنين بالمتشابه يطلبون من اللّه الثبات على الهداية ، والحفظ من الزيغ بعد الهداية ،