وهبة الزحيلي

152

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقوله تعالى عن ذاته : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه 20 / 5 ] وقوله : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح 48 / 10 ] . فهذه الآيات تحتمل عدة معان ، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد ، فربما وافقت المحكم ، وربما وافقت شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب ، لا من حيث المراد . فليس لكم أيها النصارى الاحتجاج بأمثال هذه الآيات التي هي من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى ، وإنما عليكم الوقوف عند محكم التنزيل ، مثل قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء 4 / 172 ] . ومعنى المتشابه والمحكم هنا يختلف عن معناه في آيات أخرى ، فقد وصف القرآن كله بالمحكم في قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [ هود 11 / 1 ] والمراد أنه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ صحيح المعاني ، أحكم نظمه وأتقن ، واشتمل على الحكمة ، ووصف القرآن أيضا بالمتشابه في قوله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [ الزمر 39 / 23 ] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والهداية ، والسلامة من التناقض والاختلاف ، كما قال : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء 4 / 82 ] . فأما الذين في قلوبهم زيغ ، أي ضلال وميل عن الحق إلى الباطل ، فيتبعون أهواءهم ، فيأخذون بالمتشابه الذي يتمسكون به ، ويمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، ويتركون المحكم الذي لا التباس فيه ، بقصد إيقاع الناس في الفتنة في الدين وإضلال أتباعهم ، إيهاما لهم أنهم يحتجون على مزاعمهم بالقرآن ، وهو حجة عليهم لا لهم ، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى : إِنْ هُوَ