وهبة الزحيلي

129

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

منسوخة ؛ لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس . والراجح أن الآية غير منسوخة ، وأن المراد من قوله : « نسخها اللّه » : أزال ما أخافهم ، وأن آية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ليست ناسخة ، ولكنها موضحة ، أيدها الحديث الذي رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلّم أو تعمل » ، وقد قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إن الآية محكمة مخصوصة ، وهي في معنى الشهادة التي نهى اللّه عن كتمها ، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب . ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية : 1 - إن قوله تعالى : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خبر ، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين . 2 - إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه ، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر ، كقوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة 2 / 225 ] وقوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء 17 / 36 ] . 3 - إن الوساوس العارضة وحديث النفس الذي لا يصل إلى درجة القصد الثابت والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم الآية ، كما قال المحققون . 4 - إن تكليف ما ليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهية . 5 - لا يظهر معنى للنسخ وهو تغيير الحكم لتغير مصلحة المكلفين ؛ لأن ما في النفس لا يتغير ولا يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال .