وهبة الزحيلي

123

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

بمجرد العقد ، ويجبر الراهن على الإقباض ، ومتى قبض تم وكمل ، قياسا على سائر العقود ، فإنها تلزم بمجرد العقد . والمعتمد لدى المالكية أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن ، بطل الرهن . وهو قول أبي حنيفة أيضا ، للآية : فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ . فإذا خرج عن يد القابض ، لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة ، فلا يصدق عليه حكما . وقال الشافعي : إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا ، لا يبطل حكم القبض المتقدم . ويصح قبض المرتهن أو وكيله ، وقال الجمهور : يصح أيضا قبض عدل ( طرف ثالث محايد غير العاقدين ) يوضع الرهن في يديه ؛ لأنه إذا صار عند العدل ، صار مقبوضا لغة وحقيقة ؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق ، وبمنزلة الوكيل . والعدل أمين غير ضامن ، فلو ضاع المرهون منه دون تهاون ولا تقصير ، لم يضمنه . ويجوز رهن المشاع عند الجمهور ، خلافا للحنفية ، كما بينا . ويجوز لدى المالكية خلافا للجمهور رهن ما في الذمة ؛ لأنه مقبوض ، ومثاله : رجلان تعاملا ، ولأحدهما على الآخر دين ، فرهنه دينه الذي عليه . قالوا : وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه ، فيجوز رهن ما في الذمة ؛ لأن بيعه جائز ، ولأنه مال تقع الوثيقة به ، فجاز أن يكون رهنا ، قياسا على سلعة موجودة . وقال الجمهور : لا يجوز رهن الدين في الذمة ؛ لأنه لا يتحقق إقباضه ، والقبض شرط في لزوم الرهن ؛ لأنه لا بد أن يستوفي الحق منه عند حلول أجل وفاء الدين المرهون به ، ويكون الاستيفاء من مالية المرهون ، لا من عينه ، ولا يتصور ذلك في الدّين .