وهبة الزحيلي

12

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والكافرون وهم كل من كفر باللّه أو التاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم ، أي فإنهم يقاتلون بالنفس والمال ، وإن المنفقين وضعوا المال في غير موضعه ، وقد سماهم اللّه كافرين تهديدا وتغليظا ، كما قال : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران 3 / 97 ] وإشعارا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار ، كما قال تعالى : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ فصلت 41 / 6 - 7 ] قال عطاء بن دينار : والحمد للّه الذي قال : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل : « والظالمون هم الكافرون » . فقه الحياة أو الأحكام : تأمر الآية بإنفاق المال في وجوه الخير ، سواء أكان بطريق الزكاة المفروضة أم بالصدقات والتطوعات المندوبة ، فلكل ثوابه العظيم يوم الآخرة ، وفيه تحقيق التضامن والتكافل بين أبناء الأمة الواحدة ، بل إنه السبيل الواجب للحفاظ على عزة الأمة ومكانتها وهيبتها واسترداد حقوقها المغتصبة ، وصون كرامتها وحرماتها وديارها ، فمن يقصر في ذلك وهو من الأغنياء القادرين على الإنفاق ، كان سببا في تدمير أمته وإذلالها ، إذ لا بقاء ولا حياة ولا سعادة للأغنياء أنفسهم إذا فتك الثالوث المخيف ( وهو المرض والفقر والجهل ) في بقية أفراد الأمة . قال ابن عطية : وظاهر هذه الآية : أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل خير وصلة رحم ، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال ، وأن اللّه يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين ، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل اللّه ، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال « 1 » .

--> ( 1 ) البحر المحيط : 2 / 275 ، طبعة الرياض .