وهبة الزحيلي
111
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ونحوها من المعاوضات ، فتكون معلوماتها محدودة ، وخبرتها قليلة ، واهتمامها بالوقائع المالية ضعيفا ، وأما اشتغال النساء في هذا العصر بالمسائل المالية فلا يغير الحكم ؛ لأن الأحكام إنما للأعم الأغلب ، وبالرغم من إسناد الوظائف المالية للمرأة ، فإنها لا تأبه بغير العمل الذي وكّلت به وفوض إليها ، فلا تلتفت لما يجري بين الآخرين من منازعات على قضايا مالية ، ويظل اهتمامها بالنواحي المالية أو العامة بالرغم من توظفها محصورا بشؤون منزلها أثاثا وترفها ونظافة ، وتوفير مواد تموينية ، وإعداد طعام وشراب لأسرتها ، وتربية أولاد ، فكان تذكرها للمعاملات - فيما عدا مشترياتها الخاصة - قليلا . والخلاصة : أن الحكم للأغلب ، ولا عبرة بالنادر ، والشرع ينظر للمجموع . ثم نبّه القرآن إلى قضية مهمة ، فشا بين الناس في عصرنا بل وفي الماضي نقيضها ، وهي الإدلاء بالشهادة ، فأوصى تعالى الشهود ، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة أو التقاعس في أدائها وتحملها ، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة ، فلا يجوز للشهود الامتناع عن تحمّل الشهادة ( أي استيعاب وقائع القضية المشهود عليها ) وأدائها أمام القاضي ، كقوله تعالى بعدئذ : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة 2 / 283 ] إذ بالشهادة تثبت الحقوق ويمنع الجور والظلم والتسلط على الضعفاء . ودلت الآية أيضا على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم . روى الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير ، فيدعوهم إلى الشهادة ، فلا يتبعه أحد منهم . ثم عاد إلى أمر الكتابة ، فأكد طلبها في عقود المداينات ، فنهى عن الملل أو الضجر من كتابة الدين ، فلا ينبغي التكاسل أو التقصير أو الاستحياء في كتابة الدين ، مهما قلّ ، وسواء أكان صغيرا أم كبيرا تطلب كتابته ، قطعا للنزاع والشقاق ، وحفظا لأصل الحق .