وهبة الزحيلي
7
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة بين الآيات : ما يزال القرآن يتصدى لما كان عليه اليهود وإن شاركهم فيه غيرهم من المشركين كإنكار تحويل القبلة والنسخ . كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي وهو بالمدينة متجها إلى الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس ، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون قبله ، وظل كذلك ستة عشر شهرا ، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة ويتمنى ويدعو اللّه أن يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم وهي الكعبة ، فكان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة ، فيصلي في جنوب الكعبة مستقبلا الشمال ، فاستجاب اللّه له وأمره بالتوجه إلى البيت العتيق ، بعد هجرته إلى المدينة ، ونزل قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة 2 / 144 ] . وكان أول صلاة صلاها هي العصر ، كما في الصحيحين ، قال اليهود والمشركون والمنافقون : ما الذي دعاهم إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؟ وقالوا : لقد اشتاق محمد إلى مولده ، وعن قريب يرجع إلى دينه . وقد بدئ الكلام بالرّد على اعتراضهم على التحويل قبل وقوعه ، معجزة له عليه الصلاة والسّلام ، ولقن اللّه نبيه الحجة البالغة والحكمة فيه ، ليوطن نفسه عليه ، ويستعد للإجابة ، عند مفاجأة التساؤلات . وخلاصة الجواب : أنّ الجهات كلها للّه ، فلا مزية لجهة على أخرى ، وللّه أن يأمر بالاتجاه إلى ما يشاء من أي جهة ، وعلى العبد امتثال أمر ربه كما قال : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة 2 / 115 ] . التفسير والبيان : مهّد اللّه تعالى لتحويل القبلة في هذه الآيات ، وأبان السبب ، وقضى على ما علم سبحانه من ظهور اضطرابات عند التحويل ، حتى لا يفاجأ المسلمون بشيء