وهبة الزحيلي
15
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وكما أن الكعبة وسط الأرض ، وفي مركز قطب الدائرة للكرة الأرضية ، كذلك جعل اللّه المسلمين أمّة وسطا ، دون الأنبياء وفوق الأمم ، والوسط : العدل ، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها ، فهم خيار عدول أوساط في الموقع والمناخ والطباع والشرائع والأحكام والعبادات ومراعاة دوافع الفطرة ، والجمع والتوازن بين مطالب الجسد والروح ، وبين مصالح الدنيا والآخرة . لذا استحقوا الشهادة على الأمم ، وكانوا سبّاقين للأمم جميعا بالاعتدال والتوسط في جميع الشؤون ، والتوسط منتهى الكمال الإنساني الذي يعطي كل ذي حق حقه ، فيؤدي حقوق ربّه ، وحقوق نفسه ، وحقوق جسمه وغيره من أبناء المجتمع ، أقارب أم أباعد . وأداء الشهادة على الناس في المحشر يكون للأنبياء على أممهم ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يدعى نوح عليه السّلام يوم القيامة ، فيقول : لبّيك وسعديك يا رب ، فيقول : هل بلّغت ؟ فيقول : نعم ، فيقال لأمّته : هل بلّغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير ، فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمّته ، فيشهدون أنه - أي نبيهم - قد بلّغ . ويكون الرّسول عليكم شهيدا ( مزكيّا معدّلا ) ، فذلك قوله عزّ وجلّ : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً إلخ ، القصة المذكورة سابقا هنا في التفسير . وهذا إنباء من اللّه تعالى في كتابه بما أنعم على الأمة الإسلامية من تفضيلها باسم العدالة ، وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه ، فجعل المسلمين أولا مكانا ، وإن كانوا آخرا زمانا ، كما قال عليه الصلاة والسّلام : « نحن الآخرون السابقون » وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ، ولا ينفذ قول شخص على غيره إلا أن يكون عدلا .