وهبة الزحيلي

10

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء 4 / 41 ] . والسبب في تأخير صلة الشهادة ( أي على ) أولا في قوله تعالى شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وتقديمها آخرا في قوله عَلَيْكُمْ شَهِيداً : هو أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم . والحاصل : أن الشهادة على الأمم ميزانها وسببها وسطية الإسلام ، ويؤكدها شهادة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته بأنه يزكيهم ويعلم بعدالتهم . وقوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أي إنما شرعنا لك يا محمد التوجّه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت ، ممن ينقلب على عقبيه ، أي فيتبين الثابت على إيمانه ممن لاثبات له ، فهو امتحان وابتلاء ليظهر ما علمناه ، ويجازى كل إنسان على عمله . هذا هو الظاهر من الآية في أنّ المراد بالقبلة هنا : القبلة الأولى ، لقوله تعالى كُنْتَ عَلَيْها . وقيل : الثانية أي الكعبة ، فتكون الكاف زائدة ، والمراد أنت عليها الآن ، كما في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران 3 / 110 ] ، أي أنتم ، في قول بعضهم . وقد اتّجه الزمخشري ومثله أبو حيان إلى القول الثاني قائلا : الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ليست بصفة للقبلة ، إنما هي ثاني مفعولي جعل ، يريد : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها ، وهي الكعبة ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة ، تألفا لليهود ، ثمّ حوّل إلى الكعبة . فيقول : وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة ، يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء .