وهبة الزحيلي
22
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يتبين من هذا أن طريقة الجمع اعتمدت على أمرين معا : هما المكتوب في الرقاع والعظام ونحوها ، وحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم . واقتصر الجمع في عهد أبي بكر على أنه جمع القرآن في صحف خاصة ، بعد أن كان متفرقا في صحف عديدة ، ولم يكتف زيد بحفظه القرآن ، وإنما اعتمد أيضا على حفظ غيره من الصحابة وهم العدد الكثير الذي يحصل به التواتر ، أي اليقين المستفاد من نقل الجمع الكثير الذي يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب . الجمع الثالث - في عهد عثمان بنسخ المصاحف على خط واحد : اقتصر دور عثمان بن عفان رضي اللّه عنه على كتابة ست نسخ من المصاحف على حرف واحد وطريقة واحدة ، ووزعها في الأمصار الإسلامية ، فأرسل ثلاثة منها إلى الكوفة ودمشق والبصرة ، وأرسل اثنين إلى مكة والبحرين ، أو إلى مصر والجزيرة ، وأبقى لديه مصحفا بالمدينة . وأمر بإحراق المصاحف الأخرى المخالفة في العراق والشام فقط . وظل المصحف الشامي محفوظا بجامع دمشق ( الجامع الأموي ) عند الركن ، شرقي المقصورة المعمورة بذكر اللّه ، وقد رآه ابن كثير كما ذكر في كتابه ( فضائل القرآن ) في آخر تفسيره ، إلى أن أصابه الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة 1310 ه ، ورآه قبل الحريق كبار علماء دمشق المعاصرين . وسبب هذا الجمع يظهر فيما رواه لنا البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه : « أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة ، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى .