وهبة الزحيلي

19

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قرائن معبرة توضح غاية الحكم ، وتبين سبب التشريع ، وتعرف أسراره ومراميه ، وتساعد على فهم القرآن فهما دقيقا شاملا ، حتى وإن كانت العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب . ونرى في عالمنا . القانوني اليوم ما يسمى بالمذكّرات التوضيحية للقوانين والأنظمة والأحكام ، يبين فيها أسباب إصدارها ، وأهدافها . ويؤكد ذلك أن كل نظام يظل في مستوى الأمور النظرية غير المقنعة كثيرا للناس ، ما لم يقترن بالمتطلبات الواقعية ، أو يرتبط بالحياة العملية . وكل ما سبق يشير إلى أن شريعة القرآن ليست فوق مستوى الأحداث ، أو أنها سامية مثالية لا تقبل التطبيق ، وإنما هي متعاصرة مع كل زمن ، متفاعلة مع الواقع ، تصف العلاج الحاسم لكل داء عضال من أمراض المجتمع ، وشذوذات الأفراد وانحرافاتهم . أول القرآن وآخره نزولا : كان أول ما نزل من القرآن الكريم قول اللّه تعالى من سورة العلق : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق 97 / 1 - 5 ] ، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان ، سنة إحدى وأربعين من ميلاده صلّى اللّه عليه وسلّم ، في غار حراء ، حين بدأ الوحي ، بواسطة جبريل الأمين عليه السّلام . وكان آخر ما نزل من القرآن في أرجح الأقوال ، قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ البقرة 2 / 281 ] ، وذلك قبل وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم بتسع ليال بعد ما فرغ من حجّة الوداع ، أخرجه كثيرون عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . أما ما قيل وروي عن السّديّ : إن آخر ما نزل قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . [ المائدة 5 / 3 ] ،