الشيخ محمد السبزواري النجفي
46
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
249 - فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ . . . أي فلما خرج طالوت بجيشه من مكانه وكان الجو حارا فشكوا له قلة الماء قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي ممتحنكم بماء نهر ليميز الصادق من الكاذب منكم . فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي فمن شرب من ماء النهر فإنه لا يكون من أتباعي وأهل ولايتي ولا مؤمنا بي ومنقادا لأمري ، بل يعد في زمرة العاصين والمعاندين . وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي يعني ومن لم يذقه فإنه من التابعين لي وأهل ولايتي . إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مستثنيا بذلك الغرفة الواحدة باليد ، ليعلم مبلغ طاعتهم لأوامر الابتلاء . فَشَرِبُوا مِنْهُ أي كلهم متجاوزين الحد المقدّر المباح لهم . إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ كفّوا أنفسهم ولم يشربوا منه إلّا بمقدار الرخصة . وروي أن من اقتصر على الغرفة روي ومن استكثر غلب عطشه وعجز عن المضي واسودّت شفته . فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي عندما تخطى طالوت النهر هو وجنده الذين شربوا كما أمرهم والذين لم يطعموا الماء أبدا . قالُوا أي الذين اغترفوا قال بعضهم لبعض . وقيل الكافرون منهم لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لا قدرة لنا على صدّ جالوت وجيشه . ولن نتمكن من قتاله ومحاربته . قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أي يتيقّنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي بالبعث والجزاء وهم المؤمنون المخلصون ممن لم يطعموا الماء أصلا كما قيل . كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ أي فرقة قليلة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ انتصرت على فرقة أكبر منها بأمر اللّه وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ يؤيدهم بنصره . 250 - وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ . . . أي حين ظهر طالوت والمؤمنون معه لمحاربة عدوهم قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً طلبوا الصبر من اللّه تعالى يصبّه عليهم صبا ليكون كافيا وافيا . وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في مواقع الحرب والنزال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وأظفرنا بجالوت وجنوده . 251 - فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ . . . أي غلبوهم بأمر اللّه . والمأثور أن هزيمة الكفار حصلت بعد أن قتل داود جالوت . وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ بالمقلاع الذي كان معه وداود كان في جيش طالوت وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ آتى داود السلطان والحكم المهيب الذي لم يتيسّر لأحد قبله . وَالْحِكْمَةَ أي النبوّة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كفصل القضاء ، وعمل الدروع السابغات أي الواسعة ، والصوت الجميل ، والزبور السماوي ، بحيث لو قرأه بصوته لاجتمعت عليه الطيور تسبّح اللّه وتمجّده . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ضرب الكافرين والمنافقين والمفسدين ، ودفعهم بالمؤمنين ، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ خربت بغلبة المفسدين والكفرة . وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ذو نعمة على الناس في دينهم ودنياهم . 252 - تِلْكَ آياتُ اللَّهِ . . . أي ما تقدم ذكره في الآيات السابقة هو دلالات اللّه على قدرته نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ نقرأها عليك يا محمد بالصدق وقيل : جبريل يقرؤها عليك بأمر منا . وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي المبعوثين من اللّه إلى الناس كافة ، بدلالة هذه الآيات : كإماتة ألوف الناس دفعة واحدة . وكإحيائهم كذلك بدعاء نبيّهم ، وكتمليك طالوت الذي لم يكن من الأسرة المالكة وأولاد يعقوب ، وكتمليك داود وقد كان راعيا للغنم وتعليمه الحكمة وفصل الخطاب . وكهزيمة جالوت والعمالقة . . . إلخ . فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه فإخبارك بها أكبر دليل على أنه قد أوحي إليك بها من اللّه واللّه لا يوحي إلا إلى أنبيائه .