الشيخ محمد السبزواري النجفي
19
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
وأخزاهم بسبب كفرهم . فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ تصديقهم في غاية القلّة أما كلمة ( ما ) فمزيدة ، وفائدتها التأكيد لما تدخل عليه . 89 - وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . . أراد بالكتاب القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي : التوراة ، فإنّ القرآن يصدّق بأنها كتاب سماويّ نزل من عند ربّ العالمين وَكانُوا مِنْ قَبْلُ أي قبل ظهور محمّد ( ص ) بالرسالة والدّعوة ، يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي يطلبون الفتح والظّفر والنّصر على المشركين ويقولون : اللّهم انصرنا بالنّبيّ المبعوث في آخر الزمان ، الذي نجد وصفه ونعته في التّوراة . فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا حين أتاهم ما عرفوا من الحقّ المذكور في كتابهم ، وهو نعت محمد ( ص ) وأوصافه الدّالة عليه وعلى نبوّته كَفَرُوا بِهِ أنكروه وجحدوه فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ المنكرين الذين صاروا مطرودين من رحمة اللّه . 90 - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . . . أي بئس الشيء شيئا باعوا به أنفسهم . أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ الجملة بيان ل ( ما ) الموصولة التي في ( بئسما ) وهذه هي المخصوصة بالذّم . فاللّه سبحانه ذمّ اليهود وعابهم لكفرهم بما أنزل على موسى بن عمران ( ع ) من التوراة التي تصدّق محمدا ( ص ) وتبيّن أوصافه وعلاماته ، واليهود قد عرفوا ذلك وجحدوه بَغْياً أي عدولا عن الحق أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي لأن ينزّل القرآن على محمّد ( ص ) حيث أبان فيه نبوّته ، وأظهر فيه ، أو به ، آيته التي هي معجزته الباقية إلى الأبد . فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ رجعوا خائبين مستحقّين لغضب فوق غضب . وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ مذلّ . 91 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . . . أي صدّقوا بما أنزل على محمد ( ص ) أو بكل كتاب أنزله على الرّسل . قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي التوراة وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ينكرون ما دونه من الكتب السماوية كالإنجيل والقرآن وَهُوَ الْحَقُّ الصادق الثابت الناسخ لما قبله . مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ومصدقا : حال مؤكدة من مرجع الضمير في : وهو الحق ، وردّ لمقالتهم ، لأنّ كفرهم بما يوافق التوراة ويصدّقها - أي القرآن - كفر بها أيضا . قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي قل يا محمّد لليهود : لو كنتم مؤمنين بالتوراة وبما فيها فلم تقتلون أنبياء اللّه في الأعصار الماضية مع أن صريح التوراة حرّم قتل النّفس المحترمة فكيف بالنفوس المقدّسة ، كنفوس النبيّين صلوات اللّه عليهم أجمعين ؟ . 92 - وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ . . . البيّنات هي الآيات التّسع الواضحات التي من أعظمها جعل العصا حيّة ، واليد البيضاء . ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ جعلتم العجل إلها بعد انطلاقه لميقات ربه . وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ لأنفسكم بعبادة العجل . 93 - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ . . . ألزمناكم بالعهد على أن تفوا به ولا تعبدوا إلّا اللّه ولا تشركوا به شيئا . وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ : جبل في صحراء سيناء . خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي قلنا لهم : خذوا ما آتيناكم من الدين وأحكامه وفروضه بعزم وثبات وَاسْمَعُوا ما أمرتم به سماع طاعة قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي سمعنا ما دعانا إليه محمّد ( ص ) وما أطعناه . وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ دخل حبّ العجل في أعماقهم كما يدخل الصبغ الثوب فيتخلّله بكافة أجزائه ، وتغلغل في قلوبهم كتغلغل الشّراب في جوف الظمآن بِكُفْرِهِمْ بسبب كفرهم . قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أي التوراة فإنها ليس فيها عبادة عجول ولا أمر بالكفر باللّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بموسى وكتابه كما تزعمون .