الشيخ محمد السبزواري النجفي
194
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
14 - قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ . . . هذا أمر منه سبحانه للمؤمنين بقتال المشركين المؤدي إلى قتلهم وأسرهم وإنما أعاد الأمر بالقتال لأنه صار من جهة ما تقدم من التحريض والتحضيض أوقع في القبول فإن الأمر كان ابتدائيا غير مسبوق . بتمهيد وتوطئة ، بخلاف الأمر الثاني الوارد بعد اشتداد الاستعداد وكمال التهيؤ من المأمورين . وَيُخْزِهِمْ أي يذلّهم وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني : يعينكم عليهم وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أي يذهب الغيظ المستكنّ في صدور بعض المؤمنين كبني خزاعة الّذين بيّت عليهم بنو بكر وباغتوهم لأنهم كانوا حلفاء النبي ( ص ) . 15 - وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ . . . أي يزيل ما كان فيها من الكدر والحزن وهذا أيضا يأتي في نفس سياق التحضيض على القتال ، لما فيه من إحداث الجرأة لدى المؤمنين على المواجهة وينشطهم ويصفي إرادتهم . وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أي يقبل التوبة ممّن يتوب منهم رحمة منه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ مر معناه . 16 - أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ . . . أي : أظننتم أيها المؤمنون أن تهملوا فلا تكلّفون بالجهاد في سبيل اللّه ولما يظهر ما علم اللّه من امتثلوا أمره وقاتلوا الكفار منكم . وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً أي : ولمّا يعلم اللّه الذين لم يتخذوا سواه وسوى رسوله وسوى المؤمنين أولياء وبطانة . قال الراغب : الوليجة : كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من أهله . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ عارف بأعمالكم ويجازيكم عليها . 17 - ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ . . . أي لا ينبغي لمن أشرك باللّه تعالى أن يشرف على عمارة مساجده وأمكنة عبادته بدخولها وقيل ببنائها واستصلاح ما خرب منها . شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ يعني حال كونهم يعترفون بكفرهم باللّه . أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت لأنها وقعت على خلاف الحق فهم لا يستحقون ثوابا عليها . وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ أي مقيمون إلى الأبد . 18 - إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . أي لا يعمر المساجد بالمعنى الذي ذكرناه في الآية السابقة إلّا الموحّد المصدّق باللّه والقيامة وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ بحدودهما وأصولهما وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ولم يخف غيره أحدا من الخلق فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ والمعنى : أنّ من فعل ذلك فهو من المهتدين إلى الجنّة ورضوان اللّه . 19 - أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . . . هو استفهام إنكاري معناه : لا تجعلوا أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المساجد في الفضل والمرتبة عند اللّه كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي صدّق بهما . وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمقاتلة الكفار لإعلاء كلمة الحق لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ أي لا يتساوون في الثواب والفضل وَاللَّهُ لا يَهْدِي إلى طريق الحق الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ كما يهدي العارف به المطيع له . 20 - الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . . . أي أن الذين صدّقوا باللّه ورسوله وهجروا أوطانهم فارين بدينهم إلى اللّه وتحملوا المشاق في مقارعة الكفر بإنفاق أموالهم وببذل أنفسهم للشهادة ، فهؤلاء أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ممّن سواهم من المؤمنين الّذين لم يفعلوا ذلك كلّه وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ الظافرون بما يريدون من ثواب اللّه ورضوانه .