الشيخ محمد السبزواري النجفي

141

ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن

69 - وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . أي ليس من واجب على المؤمنين المتجنّبين ما يسخط اللّه ، حين مجالسة الخائضين في آيات اللّه ، مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لا تلحقهم تبعة الكافرين ولا يحاسبون بقول غيرهم . وَلكِنْ ينبغي أن يكون جلوسهم معهم ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فعليهم تذكيرهم بالحسنى بخطاياهم لعلّهم يقلعون عن الاستهزاء بآيات اللّه . 70 - وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً . . . يعني : دع يا محمد هؤلاء الذين دينهم الذي هو عبادة الأصنام لهو ولعب ، لأن عبادتهم لأصنامهم لا تجر لهم نفعا ولا تدفع عنهم ضرّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي خدعهم ما في الحياة على هذه الأرض من مغريات وقيل : إن الأمر بترك هؤلاء في هذه الآية قد نسخه آية السيف . وَذَكِّرْ بِهِ أي خوّف بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ يعني أن تسلم للهلكة وتعرّض للعذاب بسوء ما كسبت من الإثم وتؤخذ بقبح أعمالها حين تغدو و لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ فلا وكيل يدافع عنها ولا متوسّط يشفّع بها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ أي ولو تدفع أية فدية كانت لا يُؤْخَذْ مِنْها أي لا يقبل منها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا أي حبسوا بأعمالهم الخبيثة وعقائدهم الفاسدة لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ أي ماء مغليّ حار وعذاب موجع بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم . 71 - قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا . . . قل لهم يا محمد : أنعبد غير اللّه ، ونسمّي ربّا لا يقدر على جلب النّفع لنا ولا يستطيع أن يدفع عنّا الضرّ وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي ننصرف عما نحن عليه ونرجع القهقرى ونترك دين الحق ؟ بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ أرشدنا إلى الإسلام ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ أي كمن أغرته الأبالسة باتباع الهوى وقذفت به في مهواة سحيقة وتركته فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ ضالّا لا يعرف كيف يتخلص لَهُ أَصْحابٌ رفاق يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى يرشدونه إلى الحق ويدلونه على طريق الرشاد قائلين له : ائْتِنا أي كن معنا ، فيعرض عن دعوتهم ف قُلْ يا محمد : إِنَّ هُدَى اللَّهِ إلى دين الإسلام هُوَ الْهُدى والرشاد الصحيح وَ نحن المسلمين إنما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي أوجب علينا التسليم إلى اللّه والانقياد إليه . والمقصود من ذكر الإسلام بالخصوص هو التنبيه على عظمته ، ولذلك عقّب سبحانه بقوله : 72 - وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ . . . عطف على قوله السابق : لنسلم أي : أدّوها وأظهروا إقامتها . وَاتَّقُوهُ بتجنب معاصيه وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تجمعون يوم الحشر إلى اللّه ليجازى كلّ عامل بعمله . ففي الخبر : إن الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ . 73 - وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . . . قد أشار سبحانه إلى ذلك ليبيّن عظمته لأنه خلقهما بِالْحَقِّ أي على وفق الحكمة وفي غاية النظام وبقدرة غير متوفرة لسواه . وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ فالمراد بكلمة : كن ، هو إرادته سبحانه ، أي يريد فيكون ما يريد فبمحض إرادته يحصل المراد إيجادا كان أو إعداما من دون الحاجة إلى التلفظ بكلمة كن . أو لا تكن . قَوْلُهُ الْحَقُّ أي الثابت الذي تجب طاعته وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي له السّلطة والسطوة حين النفخ في الصور لبعث الخلائق بعد الموت ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي العارف بما يشاهده المخلوقون وبما استتر عنهم . وَهُوَ الْحَكِيمُ في أفعاله الْخَبِيرُ العالم بكل شيء .