الشيخ محمد السبزواري النجفي

115

ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن

14 - وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى . . . أي : ومن الذين سمّوا أنفسهم بهذا الاسم مدّعين أنهم أنصار اللّه وهذه الآية معطوفة على سابقتها أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ وشرطنا عليهم عهدا كما شرطنا على اليهود من قبلهم فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني : غفلوا وتركوا نصيبهم الذي كان قد كتب لهم في حال الوفاء بالعهد واتّباع محمد ( ص ) فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي : أوقعنا في قلوبهم عداوة بعضهم لبعض وكره بعضهم بعضا إلى يوم لقاء اللّه أو إلى يوم خروج المهدي ( عج ) ولا يمكن أن يزول الخلاف بين فرقهم إلا يومذاك . فطوائف النصارى تخلو قلوبها يومئذ من العداوة والبغضاء لأن الكل يصيرون مسلمين متآخين بعد أن يظهر اللّه الإسلام على الدين كله بيد الحجة ( عج ) ، ولذلك يسمى عصر خروجه ( عج ) بعصر القيامة الصغرى . أما يوم القيامة الكبرى وبعث الناس بعد موتهم فسيحاسب اللّه النصارى الذين بقوا على الكفر وماتوا عليه وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ أي أنه تعالى يخبرهم يومئذ بما عملوا وبما فعلوا . 15 - يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا . . يا أيها اليهود والنصارى قد بعثنا رسولنا الذي وعدناكم به يُبَيِّنُ لَكُمْ يوضح لكم كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ أي صفات وأوصاف نبيّ آخر الزمان ( ص ) وكثيرا مما كتمتم من معلوماتكم الموجودة في التوراة والإنجيل عنه وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ مما تخفونه قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ هو هذا النبيّ محمد وَكِتابٌ مُبِينٌ واضح المعاني هو القرآن الكريم . 16 - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ . . . أي : يرشد ويدل مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي : الذي سلك السبيل المؤدية إلى رضاه سُبُلَ السَّلامِ يعني طرق الرضى والتسليم . . . وَيُخْرِجُهُمْ أي المتّبعين لرضوانه مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل والكفر إِلَى النُّورِ نور الإيمان وضياء الحقيقة المتجلّية بالإسلام . بِإِذْنِهِ أي بإجازته ولطفه وتوفيقه . وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلى الطريق المستقيمة وهي الإسلام حيث يصلون من خلاله إلى الجنة . 17 - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا . . . أكّد سبحانه بحرف التحقيق كفر جميع الّذين قالوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لأن المسيح عليه السّلام عبد مخلوق مرزوق ، خلقه بقدرته ، وجعله معجزة للتدليل على عظمته ، وجعله نبيا في المهد ليكون دليلا على أمره ورسولا إلى عباده ، فما هذه الجرأة منهم على اللّه ؟ قُلْ لهم يا محمد : فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي من عنده وله قدرة تفوق قدرة اللّه تعالى ، إِنْ أَرادَ وشاء أَنْ يُهْلِكَ يميت الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الذي اتّخذتموه ربّا ، وَأُمَّهُ مريم وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يفنيهم بأسرهم ؟ . . . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يملكهما مع ما فيهما من كائنات هُوَ يملك ما بَيْنَهُما من شموس وكواكب ومجرّات ، فالمسيح وأمه ( ع ) سيّان مع بقية الأشياء والكائنات بالنسبة للوجود فهما مقهوران له تعالى كغيرهما ، وكيف يمكن أن يكونا معبودين وقد أوجدا ويمكن أن يفنيا ، وهما محتاجان للأكل والنوم ومفتقران لرحمة اللّه كسائر مخلوقاته ؟ يَخْلُقُ ما يَشاءُ كيف يشاء وحين يشاء بلا منازع ولا حاجة لمعين وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء مهما عظم في عالم الإيجاد .