محمد هادي معرفة
87
التفسير الأثري الجامع
الآية . ومن ثمّ لا يجوز أن يقال عن أيّ فرض من الفروض العلميّة في هذا الموضوع ، إنّه المدلول النهائيّ المطابق للآية ! قال : وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة ، فقد أردنا به إيضاح المنهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلميّة في توسيع مدلول الآيات القرآنيّة وتعميقها ، دون تعليقها بنظريّة خاصّة أو بحقيقة علميّة خاصّة ، تعليق تطابق وتصديق ، وفرق بين هذا وذاك ! « 1 » . وقد نقلنا كلامه هنا بكمال ، لما فيه من الوفاء بشرائط استخدام النظريّات العلميّة - الموسومة عندهم بالحقائق الراهنة - في فهم القرآن الكريم . وأن لا بأس به ما لم يكن من الحمل المتكلّف فيه ولا أن يكون هناك تعليق قاطع ، ما دام العلم في حركة دائبة ، لا يتناسب والكلمة الأخيرة الّتي قالها القرآن الكريم ، وصدق اللّه العليّ العظيم . قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وهذا الشطر من الآية ، ترتبط مع عادة جاهليّة كانت سائدة عندهم في مراسيم الحجّ ؛ كانوا إذا أحرم الرجل منهم بالحجّ أو العمرة ، لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه ، فإن كان من أهل المدر « 2 » نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج ، أو يتّخذ سلّما فيصعد منه ويهبط ، وإن كان من أهل الوبر « 3 » خرج من خلف الخيمة والفسطاط ، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتّى يحلّ من إحرامه . وكانوا يرون ذلك برّا ( مرسوما حسنا من مراسيم الحجّ ) سوى الحمس ، وهم : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نضر بن معاوية ، سمّوا حمسا ، لتشدّدهم في دينهم ، والحماسة : الشدّة والصلابة . فكانوا لا يأبهون بذلك ولا يرون الدخول من الأبواب ذمّا ، لا في الإحرام ولا في العودة من الأسفار ، كما كان الأنصار - في جاهليّتهم - يرونه ذمّا في مطلق الرجعة من السفر . [ 2 / 5260 ] روى البخاري ومسلم وغيرهما بالإسناد إلى البراء بن عازب ، قال : كان الأنصار إذا
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، 1 : 260 - 263 . ( 2 ) المدر : المدن والحضر . ( 3 ) الوبر : صوف الإبل والأرانب . وأهل الوبر : الّذين يعيشون في الخيم .