محمد هادي معرفة
84
التفسير الأثري الجامع
يسمّيه « حقائق علميّة » ممّا ينتهي إليه بطريق التجربة القاطعة في نظره ! إنّ الحقائق القرآنيّة حقائق نهائيّة قاطعة مطلقة ، أمّا ما يصل إليه البحث الإنساني - أيّا كانت الأدوات المتاحة له - فهي حقائق غير نهائيّة ولا قاطعة ، وهي مقيّدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها . فمن الخطأ المنهجيّ - بحكم المنهج العلميّ الإنسانيّ ذاته - أن نعلّق الحقائق النهائيّة القرآنيّة بحقائق غير نهائيّة ، وهي كلّ ما يصل إليه العلم البشريّ ! هذا بالقياس إلى « الحقائق العلميّة » . والأمر أوضح بالقياس إلى النظريّات والفروض الّتي تسمّى « علميّة » . ومن هذه النظريّات والفروض كلّ النظريّات الفلكيّة ، وكلّ النظريّات الخاصّة بنشأة الإنسان وأطواره ، وكلّ النظريّات الخاصّة بنفس الإنسان وسلوكه . وكلّ النظريّات الخاصّة بنشأة المجتمعات وأطوارها . فهذه كلّها ليست « حقائق علميّة » حتّى بالقياس الإنساني ، وإنّما هي نظريّات وفروض ؛ كلّ قيمتها أنّها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونيّة أو الحيويّة أو النفسيّة أو الاجتماعيّة ، إلى أن يظهر فرض آخر يفسّر قدرا أكبر من الظواهر ، أو يفسّر تلك الظواهر تفسيرا أدقّ ! ومن ثمّ فهي قابلة دائما للتغيير والتعديل والنقص والإضافة ، بل قابلة لأن تنقلب رأسا على عقب ، بظهور أداة كشف جديدة ، أو تفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة ! وكلّ محاولة لتعليق الإشارات القرآنيّة العامّة ، بما يصل إليه العلم من نظريّات متجدّدة متغيّرة - أو حتّى بحقائق علميّة ليست مطلقة كما أسلفنا - تحتوي أوّلا على خطأ منهجيّ أساسيّ ، كما أنّها تنطوي على معان ثلاثة كلّها لا يليق بجلال القرآن الكريم . الأولى : هي الهزيمة الداخليّة الّتي تخيّل لبعض الناس أنّ العلم هو المهيمن والقرآن تابع . ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم ، أو الاستدلال له من العلم ! على حين أنّ القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائيّ في حقائقه . والعلم ما يزال موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكلّ ما يصل إليه غير نهائيّ ولا مطلق ، لأنّه مقيّد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلّها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائيّة مطلقة . والثانية : سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته . وهي أنّه حقيقة نهائيّة مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتّفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبيّة - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهيّ . حتّى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه