محمد هادي معرفة

82

التفسير الأثري الجامع

قد يكون السؤال - كما أسلفناه - عن الأهلّة : ظهورها ونموّها وتناقصها . ما بالها تختلف في ظهورها ؟ وفي بعض الروايات « 1 » : السؤال عن مثل ذلك . وقد يكون سؤالا عن أصل خلقتها والحكمة فيها ؟ كما روي : أنّهم قالوا : يا رسول اللّه ، لم جعلت الأهلّة ؟ « 2 » وربما كان السؤال في صيغته الأخيرة أقرب إلى طبيعة الجواب : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ . إنّها تنفعهم في حلّهم وإحرامهم وفي صومهم وفطرهم وفي النكاح والطلاق والعدد ، وفي معاملاتهم وتجاراتهم وديونهم وما شاكل من أمور دينهم ودنياهم على سواء . وعلى كلا التقديرين فالجواب متّجه إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرّد العلم النظري ، وحدّثهم عن وظيفة الأهلّة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدّثهم عن الدورة الفلكيّة للقمر وكيف تتمّ ، وعن دور القمر في المجموعة الشمسيّة أو في توازن حركة الأجرام السماويّة وما إلى ذلك . إنّ العلم النظري من هذا الطراز بحاجة إلى مقدّمات وتمهيدات ، ربما كانت بالقياس إلى عقليّة العالم كلّه في ذلك الزمان ، معضلات . ومن هنا عدل عن الإجابة الّتي لم تتهيّأ لها البشريّة ، ولا تفيدها في المهمّة الّتي جاء القرآن من أجلها . مقارنة بين القرآن والنظريّات العلميّة القرآن جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئيّة ، لم يجئ ليكون كتاب علم فلكيّ أو كيماويّ أو طبّيّ ، كما يحاول بعض المتحمّسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم ، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يلتمسوا مخالفاته لهذه العلوم ! إنّ كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله ؛ إنّ مجاله هو النفس الإنسانيّة والحياة الإنسانيّة . إنّ وظيفته أن ينشئ تصوّرا عامّا للوجود وارتباطه بخالقه ، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربّه ، وأن يقيم على أساس هذا التصوّر نظاما

--> ( 1 ) انظر : ابن عساكر 1 : 25 ، فيما أخرجه عن ابن عبّاس ؛ والثعلبي 2 : 85 - 86 ؛ وابن أبي حاتم 1 : 322 / 1707 ؛ والحاكم 1 : 423 ، والبيهقي 4 : 205 ، ومسند أحمد 4 : 23 ، الدارقطني 2 : 143 / 29 . ( 2 ) انظر : الطبري 2 : 253 / 2510 ؛ والدرّ 1 : 490 ، عن قتادة . وابن أبي حاتم 1 : 322 / 1708 عن أبي العالية : « لم خلقت الأهلّة » ؟