محمد هادي معرفة

80

التفسير الأثري الجامع

قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) وهنا ظاهرة في هذه الآية تطالعنا في صورة مواقف يسأل فيها المسلمون نبيّهم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن شؤون شتّى ، هي الشؤون الّتي تصادفهم في حياتهم ، ويريدون أن يعرفوا كيف يسلكون فيها وفق تصوّرهم الجديد ، ووفق نظامهم الجديد . وعن الظواهر الّتي تلفت حسّهم الّذي استيقظ تجاه الكون الّذي يعيشون فيه . وأسئلة أخرى في موضوعات متنوّعة جاءت في مواضع من القرآن . قال سيّد قطب : وهي إن دلّت فإنّما تدلّ على تفتّح وحيويّة ونموّ في صور الحياة وعلاقاتها ، وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الّذي جعل يأخذ شخصيّته الخاصّة ، ويتعلّق به الأفراد تعلّقا وثيقا ، فلم يعودوا أولئك الأفراد المبعثرين ، ولا تلك القبائل المتناثرة . إنّما عادوا أمّة لها كيان ، ولها نظام ، ولها وضع يشدّ الجميع إليه ، ويهمّ كلّ فرد فيه أن يعرف خطوطه وارتباطاته . وهي حالة جديدة أنشأها الإسلام بتصوّره ونظامه وقيادته على السّواء ، حالة نموّ اجتماعيّ وفكريّ وشعوريّ وإنسانيّ بوجه عام . ومن جهة أخرى هي دليل على يقظة الحسّ الدينيّ ، وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس ، ممّا يجعل كلّ واحد يتحرّج أن يأتي أمرا في حياته اليوميّة قبل أن يستوثق من رأي العقيدة الجديدة فيه ، فلم تعد لهم مقرّرات سابقة في الحياة يرجعون إليها ، وقد انخلعت قلوبهم من كلّ مألوفاتهم في الجاهليّة ، وفقدوا ثقتهم بها ، ووقفوا ينتظرون التعليمات الجديدة في كلّ أمر من أمور الحياة . وهذه الحالة الشعوريّة هي الحالة الّتي ينشئها الإيمان الحقّ . عندئذ تتجرّد النفس من كلّ مقرّراتها السابقة وكلّ مألوفاتها ، وتقف موقف الحذر من كلّ ما كانت تأتيه في جاهليّتها ، وتقوم على قدم الاستعداد لتلقّي كلّ توجيه من العقيدة الجديدة ، لتصوغ حياتها الجديدة على أساسها ، مبرأة من كلّ شائبة . فإذا تلقّت من العقيدة الجديدة توجيها يقرّ بعض جزئيّات من مألوفها القديم ،