محمد هادي معرفة
56
التفسير الأثري الجامع
فترة التجرّد إلى اللّه ، ومن ثمّ امتنعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرّد الكامل الّذي تنسلخ فيه النفس من كلّ لذّاتها ويخلص فيه القلب للّه من كلّ شاغل . وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ . سواء في ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار . وفي النهاية يربط الأمر كلّه باللّه ، على طريقة القرآن في توجيه كلّ نشاط وكلّ امتناع ، كلّ أمر وكلّ نهي ، كلّ حركة وكلّ سكون ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها . والنهي هنا عن القرب ، لتكون هناك منطقة أمان ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه « 1 » . والإنسان لا يملك نفسه في كلّ وقت ، فأحرى به أن لا يعرض إرادته للامتحان ، بالقرب من المحظورات المشتهاة ، اعتمادا على نفسه أنّها تمتنع عن الارتكاب حينما يريد . وهذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه بتربية النفس في التحفّظ ولزوم التقوى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ معالم هدايته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ والتقوى هي تعهّد النفس وتقيّدها بملازمة الحدود المضروبة دون الانصياع لملاذّ الحياة من غير هوادة . ملاحظات ينبغي التريث عند تعابير جاءت في آية الصيام هنا : أوّلا قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ، قد يشي بأنّ هناك من قبل كان إتيان النساء ليلا وكذا الأكل والشرب ، محرّما على صائمي النهار . إذ لا رابطة جوهريّا بين صيام النهار والامتناع من هذه الأمور ليلا . وقد رووا في ذلك روايات ، وحسبوها شأن النزول . وهذا رأي جمهور المفسرين وأنكر أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخا لشيء تقرّر في شرعنا ، وقال : هو نسخ لما كان في شريعة النصارى « 2 » . نعم كانت شريعة الصوم فيما سلف تفرض الإمساك عن المشتهيات طول الليل والنهار ، من غروب الشمس فإلى غروبها في اليوم التالي . لكن بعد ما فرض الصوم على المسلمين وأبيح لهم
--> ( 1 ) انظر : المبسوط للسرخسي 3 : 101 ، رواه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ( 2 ) التفسير الكبير 5 : 103 .