محمد هادي معرفة
447
التفسير الأثري الجامع
الإلغاء ، دون إحداث هزّة اجتماعيّة لا يمكن ضبطها ولا قيادتها . وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق ، وضمان الكرامة الإنسانيّة في حدود واسعة . بدأ بتجفيف موارد الرقّ فيما عدا أسرى الحرب الشرعيّة ونسل الأرقّاء . ذلك أنّ المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترقّ أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان . وما كان الإسلام يومئذ قادرا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد ، الّذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ في أنحاء الأرض . ولو أنّه قرّر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورا على الأسرى الّذين يقعون في أيدي المسلمين ، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيّىء في عالم الرقّ هناك . وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام . ولو أنّه قرّر تحرير نسل الأرقّاء الموجود فعلا قبل أن ينظّم الأوضاع الاقتصاديّة للدولة المسلمة ولجميع من تضمّهم لترك هؤلاء الأرقّاء بلا مورد رزق ولا كافل ولا عائل ؛ ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي الّذي يفسد حياة المجتمع الناشئ . لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور لم ينصّ القرآن على استرقاق الأسرى ، بل قال : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها « 1 » . ولكنّه كذلك لم ينصّ على عدم استرقاقهم . وترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها . فتفادى من تفادى من الأسرى من الجانبين ، وتتبادل الأسرى من الفريقين ، وتسترقّ من تسترقّ وفق الملابسات الواقعيّة في التعامل مع أعدائها المحاربين . وبتجفيف موارد الرقّ الأخرى - وكانت كثيرة جدّا ومتنوّعة - يقلّ العدد . وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرّد أن ينضمّ إلى الجماعة المسلمة ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية . فجعل للرقيق حقّه كاملا في طلب الحرّيّة بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيّده . ومنذ هذه اللحظة الّتي يريد فيها الحرّيّة يملك حرّيّة العمل وحرّيّة الكسب والتملّك ، فيصبح أجر عمله له ، وله أن يعمل في غير خدمة سيّده ليحصل على فديته - أي أنّه يصبح كيانا مستقلّا ويحصل على أهمّ مقوّمات الحرّيّة فعلا - ثمّ يصبح له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة . والمسلمون مكلّفون بعد هذا أن يساعدوه بالمال على استرداد حرّيّته . وذلك كلّه غير
--> ( 1 ) محمّد 47 : 4 .