محمد هادي معرفة

445

التفسير الأثري الجامع

قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 219 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) وقع السؤال هنا عن لذّتين وقتيّتين كانت العرب - كسائر الأمم الجاهلة - ملتهية بهما غارقة فيهما ، يوم لم تكن لها اهتمامات عليا تصرف فيها نشاطها وتستغرق مشاعرها وأوقاتها . ولعلّه لم يكن نزل تحريم الخمر والميسر لذلك الحين ، بصورة نصّ ، وأوّل ما بدء به هذا النصّ الّذي بين أيدينا ، وفيه إلماع إلى الترغيب في ترك ما يكون ضرّه أكبر من نفعه ، إنّها ملهيات ولذائذ عابرة . فمن العقل والفكر السليم ، التضحية بها دون البلوغ إلى كمال خلقي وسلامة الحياة . وفي ذلك تلميح لطيف إلى مفاسد تستدعي التحريم ، فليدعها النابهون . وهذا النصّ كان أوّل خطوة من خطوات التحريم ، فالأشياء والأعمال ، قد لا تكون شرّا خالصا ، ولعلّ فيها بعض الخير ولو ضئيلا ، قد يبتغيها الجاهلون . غير أنّ النابهين يرون مدار الحلّ والحرمة هو غلبة الخير أو الشرّ ، فإذا كان الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع ، فتلك علة التحريم والمنع ، حتّى وإن لم يصرّح بتحريم ولا منع . أمّا ولماذا لم يحرّم الخمر والميسر صريحا وبالنصّ الجليّ من أوّل الأمر ؟ فهذا يعود إلى جانب المنهج التربويّ في الإسلام ؛ يتماشا مع عادات راسبة ويعمل في ضعضعتها حتّى يأتي على قلع جذورها في نهاية الأمر . وفي ذلك يقول سيّد قطب : « هنا يبدو لنا طرف من منهج التربية الإسلاميّ القرآنيّ الربّانيّ الحكيم ؛ وهو المنهج الّذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه وفرائضه وتوجيهاته . ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر والميسر . عندما يتعلّق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصوّر الإيمانيّ ، أي بمسألة اعتقاديّة ، فإنّ الإسلام يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى .