محمد هادي معرفة

426

التفسير الأثري الجامع

وأمّا لو فرض بقاؤها على مفاسدها في هذا الظرف أيضا ، ومع ذلك رخّص في فعلها ورفع العقاب عن مرتكبها تفضّلا ، فهذا إغراء بفعل القبيح الواقعيّ من غير ما سبب معقول ! * * * أمّا الآية الكريمة فإنّ لها تفسيرا وجيها غير ما زعموه : الآية تعرّضت لجانب ضعف هذا الإنسان تجاه متطلّبات حياته المادّيّة ، ولذائذ تبتغيها شهواته النفسيّة المتراكمة وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً « 1 » . ومن ثمّ فإنّه غير معصوم عن الخطأ والزلل في حياته ، مهما كان جادّا في تربية نفسه وتهذيبها ، فإنّ نفسه قد تغلبه أحيانا ويرتكب أخطاء خارج إرادته العقليّة ! إنّ هذا الدين يدعو إلى الرفعة والسموّ والطهر والنظافة بما فيه من حدود وتكاليف ، لكنّه لا يتغافل في نفس الوقت ضعف هذا الإنسان وقصوره ، ولا يتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها ، ومختلف دروب حياته ومنحنياته الكثيرة ، ومن ثمّ وضع برامجه على أساس من السماح واليسر والسعة ، فكان التوازن العادل بين التكليف والطاقة ، وبين الدوافع والزواجر ، وبين الترغيب والترهيب ، وبين التهديد بالعقاب والتطميع في الثواب . الأمر الّذي تتجسّد فيه حكمته تعالى في الأمر بالطاعة والإطماع في العفو والمغفرة ! إنّه يهدّد الإنسان في اقتراف الكبائر الموبقات ، لأنّ في ارتكابها تهديدا بسلامة المجتمع ، وتلويثا لساحة هذا الإنسان ، المطلوب طهارتها ونزاهتها عن الأدناس والأرجاس ! ثمّ إنّه لا يتغافل جانب ضعف هذا الإنسان الّذي قد يستسلم لدوافع نفسه أحيانا فيرتكب ما لا ينبغي بشأنه الرفيع ! الأمر الّذي لا محيص لهذا الإنسان عنه ما دام قيد مباهج المادّة وزخارفها ، فسمح له بالعفو والغفران ما دام صدور الخطاء منه وقع لمما « 2 » ، ويندم عليه فور ارتكابه ، ممّا يشفّ عن تعهّده والتزامه تجاه أوامر الدين وزواجره . إذن فمعنى الآية الكريمة : « إنكم أيها المؤمنون إذا ما ثبتم على تعهدكم بالدين واجتنبتم محرمات وفواحش نهيتم عنها ، فإن ما يفرط منكم من الخطايا بين آونة وأخرى ، هي مسموحة مغفورة لكم . »

--> ( 1 ) النساء 4 : 28 . ( 2 ) سنشرح مفهوم هذه الكلمة عند تفسير الآية التالية .