محمد هادي معرفة

400

التفسير الأثري الجامع

المنيع صلّى اللّه عليه وآله وسلّم متماثلا معهم وفي مستواهم الهابط ، الأمر الّذي كان إزراء بشأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ! ثالثا - قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى « 1 » تعريض بأنّ الّذين يخالفون هذا الأدب الإسلامي الرفيع ، هم ذووا قلوب جافية قاسية لم ترضخ لشريعة اللّه ، ومن ثمّ فلم تتمرّن على التقوى والخشية الّتي هي من لين القلوب ، فهم إلى العتوّ والاستكبار أقرب منهم إلى الخضوع والاستسلام ! رابعا - قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 2 » . أي تمكّن الجهل والعماء من قلوبهم فلم يستعدّوا بأنفسهم لقبول تعاليم الإسلام القيّمة ! وأخيرا - فقوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ « 3 » يعني : إنّ سوء الأدب بمقام النبوّة سوف يؤدّي إلى الانحطاط الفظيع ، من غير أن تشعروا بالسقوط تدريجيّا إلى مهواه السحيق . التكفير بين العموم والخصوص أمّا تكفير الحسنات للسيّئات - إجماليّا - فممّا لا شكّ فيه ، نظرا لصراحة القرآن المجيد والسنّة المتواترة في ذلك . لكن هل هذا التكفير عامّ في جميع الحسنات وبالنسبة إلى جميع السيّئات إطلاقا ، أم هناك شروط وقيود وتفاصيل ؟ لا نستطيع - ونحن نرى العدل والحكمة في ذاته تعالى المقدّسة - أن نلتزم بعموم التكفير بصورة مطلقة ، إذ أقلّ نتيجة لهذا الالتزام هو اجتراء أهل الكبائر على اقتراف الذنوب والآثام من غير مبالاة . فليرتكب المذنب ما ترغب إليه نفسه الخبيثة بصورة مستمرّة عبر الأيّام ، مقتنعا بنفسه أنّه ملتزم بالصلاة والصدقات ، لقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ! ولعلّ عمر بن سعد - مع اعترافه بما ثم قتل ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان ممّن يميل إلى هذا المذهب المنحرف في قوله :

--> ( 1 ) الحجرات 49 : 3 . ( 2 ) الحجرات 49 : 4 . ( 3 ) الحجرات 49 : 2 .