محمد هادي معرفة

396

التفسير الأثري الجامع

وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . فلا ينال أحدا مثوبات أعماله إلّا إذا كان مجتنبا للكبائر ، الأمر الّذي ينطبق على مذهب الإحباط ، حيث السيّئة اللّاحقة تذهب بالحسنات أدراج الرياح ! قلت : هذا بناء على اعتبار الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بيانا من الَّذِينَ أَحْسَنُوا فيكون قيدا له . لكن قد يستشكل : كيف يصلح الفعل المستقبل بيانا للفعل الماضي ؟ ! ومن ثمّ رجّح بعضهم كونه مستأنفا به ، أي هم الّذين يجتنبون . . . أو يكون الموصول مبتدأ محذوف الخبر ، مدلولا عليه بقوله : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . وعلى أيّ تقدير ، ففي التحوّل من لفظ الماضي أوّلا إلى لفظ المضارع ثانيا نكتة لطيفة ، هي ملاحظة ما لجانب الفعل المضارع من دلالته على الدأب والاعتياد الحاصل بالغلبة والأكثريّة ، الأمر الّذي لا يثلمه الخروج عنه مرّة أو مرّتين مثلا . فمن كان من عادته المشي بعد الأكل عادة حاصلة بالأغلب ، يصحّ في شأنه أن يقال : إنّه يمشي بعد الأكل . ولا يضرّ بهذا الإطلاق أن لا يمشي بعد الأكل أحيانا ، إذا لم يترك عادته رأسا . فالمؤمن المعتقد هو الّذي يلتزم على نفسه بأن يجتنب المعاصي ولا يقترفها ، ولا يضرّه الاقتراف أحيانا على خلاف المعتاد . وهذا يصدق بشأنه « إنّه يجتنب الذنوب » أي يحاول بكلّ جهده اجتنابها ، وإن كان قد تعاكسه الظروف رغم عادته . وهذا هو معنى « اللمم » أي الاقتراف أحيانا رغم دأبه في الاجتناب . ومن ثمّ قال تعالى - بشأن المؤمنين فيما يخصّ جانب تركهم للمعاصي - : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ « 1 » . ولم يقل : « اجتنبوا » لأنّ الماضي يدلّ على تواصل الاجتناب في الماضي ، ويثلمه التخلّف في فترة أو فترات . فمن ارتكب كبيرة مرّة أو مرّات طول حياته ، لا يصدق بشأنه أنّه اجتنبها بصيغة الماضي ، لكن يصدق بشأنه أنّه مجتنب أو يجتنب المعاصي بصيغة اسم الفاعل أو المضارع ! ولذلك لمّا جاء دور معصية خصوص الشرك ، عبّر تعالى بصيغة الماضي : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها « 2 » . لأنّها معصية غير مغتفرة وليست بالّتي لا تضرّ بالإيمان أن يقترفها المؤمن في حياته أحيانا !

--> ( 1 ) الشورى 42 : 37 . ( 2 ) الزمر 39 : 17 .