محمد هادي معرفة

381

التفسير الأثري الجامع

حيث تمرّده وكفرانه نعم المولى معا . الثانية : هل المثوبة والعقوبة تقتضيان الدوام والأبديّة ؟ فلا مثوبة إلّا وهي دائمة ولا عقوبة إلّا وهي خالدة ؟ ! قالت المعتزلة : نعم ! ومن ثمّ جعلوا من الفاسق خالدا في النار . ودليلهم على ذلك هو : قياس المثوبة والعقوبة بالمدح والذمّ ، فكما أنّهما دائميّان ، كذلك لازمهما من الثواب والعقاب ؛ قالوا : ولأنّه إذا انقطع عقاب العاصي ودخل الجنّة كان ذلك تفضّلا عليه ، ولا تفضّل على المكلّفين ، وإنّما هو خاصّ بالأطفال والمجانين « 1 » . وبهذه الطريقة حاولوا إثبات الإحباط ، لئلّا يعود المعاقب على معصيته مثابا على طاعته ، فينتقض دوام العقاب بشأنه ، كما يكون ثوابه المتأخّر تفضّلا فيما زعموا . وهذان ممّا يتحاشونهما البتّة « 2 » . قلنا : لا خلود في النار إلّا للكفّار « 3 » ، أمّا العصاة من المؤمنين الّذين احتفظوا بإيمانهم حتّى الممات فمرجون لأمر اللّه ، إمّا يعذّبهم حسب استحقاقهم ، عذابا يتناسب مع نوعية العصيان الّذي ارتكبوه ، وإمّا يتوب عليهم واللّه عليم حكيم « 4 » . قال تعالى - بشأن العصاة من المؤمنين - : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 5 » . قوله : اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ اعترافا منبعثا عن إيمانهم باللّه ، حيث المؤمن هو الّذي يرى من أعماله السيّئة عصيانا له تعالى ، فهو دليل على شدّة احتفاظهم بأصول الإيمان ، وإن كانوا ارتكبوا ما ارتكبوا من قبائح . الأمر الّذي وفّر عليهم من شرائط الغفران ! وأمّا قياس الثواب والعقاب بالمدح والذمّ ، ففي أصل الاستحقاق لا شكّ فيه . فمن استحقّ مدحا على عمل استحقّ ثوابا عليه ، وكذا الذمّ والعقاب . أمّا قياس دوام أحدهما على دوام الآخر

--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار : 666 - 667 . ( 2 ) المصدر : 624 . ( 3 ) قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ العنكبوت 29 : 23 . ( 4 ) مقتبس من الآية الكريمة 106 من سورة براءة . ( 5 ) التوبة 9 : 102 .