محمد هادي معرفة
319
التفسير الأثري الجامع
فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الّذي أراده اللّه للمسلمين ؟ ! وأين يكون اختيار الناس لأنفسهم من اختيار اللّه لهم ؟ ! وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . وكلّ إنسان - في تجاربه الخاصّة - يستطيع حين يتأمّل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذّات كثيرة كان من ورائها الشرّ العظيم . وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ، ثمّ تبيّن له بعد فترة أنّه كان إنقاذا من اللّه أن فوّت عليه هذا المطلوب في حينه . وكم من محنة تجرّعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطّع لفظاعتها ، ثمّ ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل . إنّ الإنسان لا يعلم ، واللّه وحده يعلم ، فماذا على الإنسان لو يستسلم ؟ ! إنّ هذا هو المنهج التربويّ الّذي يأخذ القرآن به النفس البشريّة ، لتؤمن وتسلّم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ « 1 » . فلا بذخ عند الرفاه ، ولا يأس عند الشدائد . بعد أن كان الأمر بيد اللّه . واللّه يفعل ما يشاء وهو الحكيم الخبير . [ 2 / 5991 ] أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : إنّ اللّه أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين بمكّة بالتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يكفّوا أيديهم عن القتال ، فلمّا هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض وأذن لهم في القتال ، فنزلت : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم ، وأذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يعني القتال وهو مشقّة لكم وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً يعني الجهاد قتال المشركين وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ويجعل اللّه عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً يعني القعود عن الجهاد وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيجعل اللّه عاقبته شرّا فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة ! « 2 » [ 2 / 5992 ] وأخرج الثعلبي عن الحسن قال في معنى الآية : لا تكرهوا الملمّات الواقعة ، فلربّ أمر تكرهه ، فيه نجاتك ، ولربّ أمر تحبّه ، فيه عطبك .
--> ( 1 ) الحديد 57 : 22 - 23 . ( 2 ) الدرّ 1 : 586 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 382 - 383 / 2012 و 2016 و 2018 و 2020 .