محمد هادي معرفة
297
التفسير الأثري الجامع
وعندئذ وبمقتضى قاعدة اللطف فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ نصوص الشرائع الإلهية الغرّاء ، والّتي هي بدورها القول الفصل لِيَحْكُمَ ليفصل بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من مهامّ شؤونهم في الحياة . ولكن ، إن كان هناك من العوامل الّتي تبعث على الجدل والتناحر ، هو الانحراف عن جادّة الحقّ - مهما كان واضحا - حيث غلبة الهوى واتّباع الشهوات وحبّ الذات في صورها الإفراطيّة الباعثة على التطاول والتجاوز وحبّ التكاثر المقيت . وكان من هذه العوامل ما ظلّت كامنة في جبلّة الإنسان ، من غير أن تزول بسهولة ، لولا الارتياض على التقوى وحبّ الصلاح . تلك رواسب كمنت في واقع الإنسان ، فأنّى قلعها والانفلات منها لولا تداوم القرع العنيف بمهميز التبشير القاطع والإنذار القامع . نعم ، إنّ من تلك الرواسب ما بقيت منها بقيّة ، ومن ثمّ كانت السبب في عودة الاختلاف ، حتّى بعد أن جاءهم الهدى وواجهتهم الآيات والبيّنات . وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اختلفوا في تفسير الحقّ الّذي جاءهم إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ولمسوه ووجدوه حقّا ، لولا التنافس على المطامع والرغائب . اختلافا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . فقد جاءهم الكتاب . ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا وهناك ، وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تجعل من الناس تبتعد عن قبول الحقّ وعن الانصياع لحكم الكتاب . بَغْياً بَيْنَهُمْ والبغي هو الحسد والحرص على المطامع والرغائب ، هو الّذي قاد الناس إلى المضيّ في الاختلاف وفي التفرّق واللجاج والعناد . وهذه حقيقة ، فما يختلف اثنان على أصل الحقّ الواضح اللائح في الكتاب ، إلّا وفي نفس أحدهما أو كلاهما بغي وهوى وزلّة عن الفطرة المستقيمة . فأمّا حينما يكون هناك إيمان وعقيدة صادقة ، فلا بدّ من التفاهم والاتّفاق والالتقاء على منهج الحقّ . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ . حيث كان النفوس مستعدّة لقبول الحقّ ، والحكمة ضالّة المؤمن أخذها حيث وجدها . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من عباده المؤمنين إِلى