محمد هادي معرفة

284

التفسير الأثري الجامع

وذكر بعض المفسّرين : أنّ إتيان أمر اللّه أو عذابه في الغمام ، عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر ، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته ، لأنّ الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم ، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم . كما وقع لعاد قوم هود : قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » . وهذا مبنيّ على أنّ الغمام مظنّة المطر . وهو السحاب المسفّ « 2 » ، لثقله بالمطر . قال الأستاذ عبده : الحكمة في نزول العذاب في الغمام ، إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به ، ولا توطئة توطّن النفوس على احتماله ، وذلك أبلغ في هوله ، وهو ذلك الغمام الّذي يحدث عن تخريب العالم فجأة ، فيأتيهم العذاب ، قبل أن يتبدّد الغمام الناشئ عن الخراب . وهذا يتّفق مع القول الأوّل ، وأقرب إلى معنى قوله تعالى في الساعة : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً « 3 » . قال السيّد : ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ، ترغّبه في المبادرة إلى التوبة ، لئلّا يفاجئه وعد اللّه تعالى وهو غافل ، فإن لم يفاجئه قيام الساعة ، فاجئه قيام قيامته بالموت بغتة . قال : وإذا جرينا على هذه الطريقة - الّتي أرشدتنا إليها الآية الكريمة - فحملنا بعض الآيات على بعض ، واستخرجنا المعنى من مجموعها ، كان لنا أن نقول : إذا وقعت الواقعة ، وقرعت القارعة ، وكوّرت الشمس ، وتناثرت الكواكب ، وانشقّت السماء شقّا ، ورجّت الأرض رجّا ، وبسّت الجبال بسّا ، فكانت - أوّلا - كالعهن المنفوش ، ثمّ صارت هباء منبثّا . . . فإنّ مادّة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين ، أي مادّة سديميّة ، وهي ما عبّر عنه في بدء التكوين بالدخان ، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام . وإنّ كثيرا من علماء الهيأة ليتوقّعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بعض الكواكب ببعض ، بحيث يبطل الجذب العام ، الّذي قام به هذا النظام ، وهو ما ورد من تشقّق السماء بالغمام « 4 » . * * * وعن السلف هنا روايات قد تتضارب مع بعضها البعض ، ولا ترجع إلى محصّل معروف ، نذكر

--> ( 1 ) الأحقاف 46 : 24 . ( 2 ) أسفّ السحاب : دنا من الأرض لثقله بحمل المطر . ( 3 ) الأعراف 7 : 187 . ( 4 ) المنار 2 : 262 - 264 .