محمد هادي معرفة

274

التفسير الأثري الجامع

المجتمع الّذي يقوم على الشورى والنصح والتعاون . كما يقوم على المساواة والعدالة الصارمة الّتي يشعر معها كلّ أحد أنّ حقّه منوط بحكم شريعة اللّه ، لا بإرادة حاكم ، ولا هوى حاشية ، ولا قرابة كبير . وفي النهاية المجتمع الوحيد بين سائر المجتمعات البشرية ، الّذي لا يخضع البشر فيه للبشر . إنّما يخضعون حاكمين ومحكومين للّه ولشريعته ؛ وينفّذون حاكمين ومحكومين حكم اللّه وشريعته . فيقف الجميع على قدم المساواة الحقيقيّة أمام اللّه ربّ العالمين وأحكم الحاكمين ، في طمأنينة وفي ثقة وفي يقين . هذه كلّها بعض معاني السلم الّذي تشير إليه الآية وتدعو الّذين آمنوا للدخول فيه كافّة . ليسلموا أنفسهم كلّها للّه ؛ فلا يعود لهم منها شيء ، ولا يعود لنفوسهم من ذاتها حظّ ؛ إنّما تعود كلّها للّه في طواعيّة وفي انقياد وفي تسليم . ولا يدرك معنى هذا السلم حقّ إدراكه من لا يعلم كيف تنطلق الحيرة وكيف يعربد القلق في النفوس الّتي لا تطمئنّ بالإيمان ، في المجتمعات الّتي لا تعرف الإسلام ، أو الّتي عرفته ثمّ تنكّرت له ، وارتدّت إلى الجاهليّة ، تحت عنوان من شتّى العنوانات في جميع الأزمان . هذه المجتمعات الشقيّة الحائرة على الرغم من كلّ ما قد يتوافر لها من الرخاء المادّي والتقدّم الحضاري ، وسائر مقوّمات الرقي في عرف الجاهليّة الضالّة التصوّرات المختلّة الموازين . وحسبنا مثل واحد ممّا يقع في بلد أروبّي من أرقى بلاد العالم كلّه وهو « السويد » . حيث يخصّ الفرد الواحد من الدخل القومي ما يساوي خمسمائة جنيه في العام . وحيث يستحقّ كلّ فرد نصيبه من التأمين الصحّي وإعانات المرض الّتي تصرف نقدا والعلاج المجّاني في المستشفيات . وحيث التعليم في جميع مراحله بالمجّان ، مع تقديم إعانات ملابس وقروض للطلبة المتفوّقين وحيث تقدّم الدولة حوالي ثلاثمائة جنيه إعانة زواج لتأثيث البيوت . وحيث وحيث من ذلك الرخاء الماديّ والحضاري العجيب . ولكن ماذا ؟ ماذا وراء هذا الرخاء المادّي والحضاري وخلوّ القلوب من الإيمان باللّه ؟ إنّه شعب مهدّد بالانقراض ، فالنسل في تناقص مطّرد بسبب فوضى الاختلاط ! والطلاق