محمد هادي معرفة

187

التفسير الأثري الجامع

الإنسان إلى حياة أرفع ورضوان من اللّه أكبر . وقد عقد أبو جعفر الكليني بابا في الكافي ، جمع فيه أصحّ الآثار في طلب الرزق والمعايش وترغيب الجدّ فيها لبلوغ الإرب وحسن التمتّع بها ، ولاتّخاذها وسيلة للإحسان والفضيلة وكسب المكرمات ، ومنها الحفاظ على عزّة النفس وصونها عن الابتذال . وإليك منها نبذا : الجدّ في كسب المعايش عبادة [ 2 / 5608 ] روى بالإسناد إلى عبد الرحمان بن الحجّاج ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « إنّ محمّد بن المنكدر « 1 » كان يقول : ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسين يدع خلفا أفضل منه ، حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ ، فأردت أن أعظه فوعظني ، فقال له أصحابه : بأيّ شيء وعظك ؟ قال : خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة ، فلقيني أبو جعفر محمّد بن عليّ وكان رجلا بادنا ثقيلا وهو متّكئ على غلامين أسودين أو موليين ، فقلت في نفسي : سبحان اللّه ، شيخ من أشياخ قريش ، في هذه الساعة ، على هذه الحال ، في طلب الدنيا ! أما لأعظنّه ، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام ببهر « 2 » وهو يتصابّ عرقا . فقلت : أصلحك اللّه ، شيخ من أشياخ قريش ، في هذه الساعة ، على هذه الحال ، في طلب الدنيا ! أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع ؟ فقال : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعة اللّه - عزّ وجلّ - أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي اللّه ! فقلت : صدقت يرحمك اللّه ، أردت أن أعظك فوعظتني ! » . [ 2 / 5609 ] وروى بالإسناد إلى الفضل بن أبي قرّة ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « كان أمير المؤمنين

--> ( 1 ) كان من كبار التابعين ، ظاهر الصلاح . قال ابن عيينة : كان من معادن الصدق ، ويجتمع إليه الصالحون . وكان مقبول الكلام محبوبا لدى العامّة . قال ابن حبّان : كان من سادات القرّاء . وقال يعقوب بن شيبة : صحيح الحديث جدّا . وقال إبراهيم بن المنذر : غاية في الحفظ والإتقان والزهد حجّة . قال الكشّي : كان له ميل ومحبّة شديدة لأهل البيت عليهم السّلام . ( قاموس الرجال 9 : 608 / 7304 ) . ( تهذيب التهذيب 9 : 474 - 475 / 767 ) . ( 2 ) بالباء الموحّدة المضمومة وهو تتابع النفس يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعدو .