محمد هادي معرفة

177

التفسير الأثري الجامع

على عرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحجّ ودين إبراهيم ، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ، وأن يفيضوا منها . إلّا أنّهم قالوا : نحن أهل الحرم ، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ، ولا نعظّم غيرها كما نعظّمها نحن الحمس - والحمس : أهل الحرم - ثمّ جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحلّ مثل الّذي لهم بولادتهم إيّاهم ، فيحلّ لهم ما يحلّ لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم . وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ، ثمّ ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن ، حتّى قالوا : لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ، « 1 » ولا يسلئوا « 2 » السّمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيتا من شعر ، ولا يستظلّوا إن استظلّوا إلّا في بيوت الأدم ما كانوا حراما ، ثمّ رفعوا في ذلك فقالوا : لا ينبغي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحلّ في الحرم إذا جاؤوا حجّاجا أو عمّارا ، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوّل طوافهم إلّا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة . فحملوا على ذلك العرب فدانت به ، وأخذوا بما شرعوا لهم من ذلك ، فكانوا على ذلك حتّى بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأنزل اللّه حين أحكم له دينه وشرع له حجّته : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني قريشا . والناس : العرب . فرفعهم في سنّة الحجّ إلى عرفات ، والوقوف عليها ، والإفاضة منها ؛ فوضع اللّه أمر الحمس ، وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث اللّه رسوله « 3 » . [ 2 / 5574 ] وقال مقاتل بن سليمان في قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وذلك الحمس ؛ قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وعامر بن صعصعة كانوا يبيتون بالمشعر الحرام ، ولا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا وكانوا لا يقفون بعرفات . فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات فقال لهم : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني ربيعة ، واليمن كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس ، ويفيضون من جمع إذا طلعت الشمس فخالفهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الإفاضة بهم « 4 » . [ 2 / 5575 ] وروى العيّاشيّ عن زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سألته عن قول اللّه : أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ؟ قال : « أولئك قريش كانوا يقولون : نحن أولى الناس بالبيت ، ولا يفيضون

--> ( 1 ) الأقط : الجبن . ( 2 ) سلأ السّمن : صفّاه . ( 3 ) الطبري 2 : 400 - 401 / 3053 . ( 4 ) تفسير مقاتل 1 : 175 .