محمد هادي معرفة
157
التفسير الأثري الجامع
[ 2 / 5506 ] كما روي عن ابن عبّاس أنّه كان محرما ، فأخذ بذنب ناقة من الرّكاب وهو يقول : وهنّ يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطّير ننك لميسا فقيل له - والقائل أبو العالية « 1 » - : يا أبا العبّاس ، أتقول الرّفث وأنت محرم ؟ ! وفي رواية : أترفث وأنت محرم ؟ ! فقال : إنّما الرفث ما ووجه به النساء « 2 » . فرأى ابن عبّاس الرّفث الّذي نهى اللّه عنه ما خوطبت به المرأة ، فأمّا أن يرفث في كلامه ولا تسمع امرأة رفثه ، فغير داخل في قوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ « 3 » . والجدال : المناقشة والمشادّة في الجدل حتّى يغضب الرجل صاحبه . والفسوق : إتيان المعاصي كبرت أم صغرت « 4 » . والنهي عنها كناية عن ترك ما ينافي حالة التحرّج والتجرّد للّه ، في هذه الفترة الجليلة . والارتفاع عن دواعي الأرض ، إلى حيث مناهل رضوان اللّه . وهذا تأدّب جميل حيث العبد في فناء رحمة ربّه المتعال . وبعد الانتهاء عن فعل القبيح ، ينبغي السباق إلى كلّ فعل جميل : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، سواء أسرّ به العبد أم جهر به ، وقد أراد به وجه اللّه . ثمّ يدعوهم إلى التزوّد في رحلة الحجّ ، زاد الجسد وزاد الروح . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ . والتقوى زاد القلوب والأرواح ، وبها تزداد هيمنة وصلاحا لبلوغ الرضوان ، فهو خير زاد يتزوّد به العباد . وأولو الألباب هم أوّل من يدرك هذه الحقيقة ويدرك ضرورة التوجيه إلى التقوى ، وأنّهم خير من ينتفع بهذا الزاد الفخيم . وسيأتي مزيد توضيح لهذه الآية وفي المقصود من التقوى هنا . * * *
--> ( 1 ) في رواية الطبري 2 : 360 . ( 2 ) حسبما جاء في صحاح الجوهري 1 : 283 - 284 . ( 3 ) لسان العرب 2 : 153 - 154 . ( 4 ) وسيأتي عن عكرمة : أن لا صغيرة في معصية اللّه . ( الطبري 2 : 367 ) . وهو الصحيح من اختيارنا : أنّ المعاصي كلّها كبائر ، غير أنّها تتفاوت ، والصغر والكبر نسبيّان . أمّا كون معصية صغيرة بذاتها ، فلا . راجع ما سجّلناه بهذا الصدد في ملحق كتاب القضاء للأستاذ الكبير ضياء الدين العراقيّ . ( شرح التبصرة : 324 ) .