محمد هادي معرفة
27
التفسير الأثري الجامع
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً مرجعا لِلنَّاسِ جميعا يؤوبون إليه من كلّ صوب ومكان . فهو حقّ للجميع ، وليس لأحد أو فئة أن يمنع الناس عن مثابتهم حول البيت . وَأَمْناً محلّا آمنا ، وليس لسدنته من قريش أن يروّعوا أحدا أو يؤذوهم أو يفتنوهم عن دينهم - كما فعلت بالمؤمنين وهم أحقّ به منهم . وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . ومقام إبراهيم هنا يشمل البيت والمسجد الحرام ، والذي ينبغي أن يتخذ مصلّى ، محلّا للعبادة للّه خالصة . ومن ثمّ وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وهذا هو عهد اللّه بالنسبة إلى بيت اللّه الحرام ، فليكن مطهّرا من رجس الأوثان ، وممهّدا للطائفين حوله ، والعاكفين في جواره ، والمتعبّدين الركّع السجود . * * * وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ . ومرّة أخرى يؤكّد دعاء إبراهيم صفة الأمن للبيت ، ويؤكّد معنى الوراثة للفضل والخير . . ولقد عرف إبراهيم منذ أن قال له ربّه : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أن يحترس ويستثني ويحدّد من يعني : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إيمانا بالمبدأ والمعاد ، إيمانا بمسيرة الحياة مبتدئة من عند اللّه ، ومنتهية إليه في نهاية المطاف . . فقد كانت المسيرة في جميع مراحلها مرعيّة برعايته تعالى وفي قبضته وفي رقابة شديدة منه . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ « 1 » . فليكن الإنسان على حذر من شأنه في الحال والمآل . وإبراهيم المتأدّب بالأدب الذي علّمه ربّه ، فيراعيه في طلبه ودعائه . . يجيئه الجواب من عند ربّه مكمّلا ومبيّنا عن الشطر الآخر الذي سكت عنه إبراهيم . شطر الّذين بغوا في الأرض وعتوا عن أمر ربّهم ، فليؤولوا إلى مصير أليم : قالَ - تعالى - : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا قد يكون له حظّ في الحياة ولكنّه قصير ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ تلك عاقبة الّذين خسروا أنفسهم فألجؤوا إلى شقاء الأبد وبئس المصير .
--> ( 1 ) سورة ق 50 : 18 .