عبد الكريم الخطيب
1060
التفسير القرآنى للقرآن
تكشفان عن سعة علمه ، ونفوذ هذا العلم إلى أعمق أعماق الوجود . . فهو علم « اللطيف » الذي لا يحجب عنه شئ « الخبير » الذي لا تخفى عليه حقيقة أي شئ . . قوله تعالى : * « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ » . . هو خطاب للناس جميعا ، وإلفات لهم إلى فضل اللّه عليهم ، وإحسانه إليهم ، إذ خلقهم ، وأقامهم على خلافة الأرض ، وجعل الحياة فيها ذلولا لهم ، أي مذللة ، ميسرة لهم ، بما أوجد فيها من أسباب الحياة ، وأدوات العمل للعاملين فيها . . وقوله تعالى : « فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » - هو دعوة إلى العمل في هذه الحياة ، وإلى السعي في الأرض ، والضرب في وجوهها المختلفة . . فاللّه سبحانه قد وضع بين أيدي الناس خيرات كثيرة ممدودة على بساط هذه الأرض ، وعليهم هم أن يتحركوا في كل وجه على هذا البساط ، وأن يمدّوا أيديهم إلى كل شئ يقدرون عليه من هذا الخير ، فإن هم لم يفعلوا ، فقد بخسوا أنفسهم حقها من الحياة الكريمة على هذه الأرض ، ونزلوا إلى درجة الحيوانات التي تأكل من حشائشها ، وخسيس ثمارها . . ومناكب الأرض ، هي أجزاؤها العليا فيها ، أشبه بمنكبي الإنسان ، وهما جانبا الكتفين . . وهذا يعنى أن يستدعى الإنسان قواه كلها ، وأن يعمل في الحياة عملا جادّا ، يحشد له طاقاته الجسدية والعقلية ، حتى يأخذ مكانا متمكنا من الأرض ، يستطيع به أن يقهر قوى الطبيعة فيها ، وأن يقودها بقوته ، وأن يتحكم فيها بسلطانه . . فهذا هو مكان الإنسان الذي يعرف قدر إنسانيته ، ويحترم وجوده بين المخلوقات فيها . . إنه الخليفة على هذه الأرض ، ومقام الخلافة يقتضيه