عبد الكريم الخطيب

1052

التفسير القرآنى للقرآن

ثم اطلب مزيدا من هذا العلم ، وذلك بمعاودة النظر بعد النظر ، في ملكوت اللّه ، الذي لا حدود له . . فإنك إن فعلت سلك بك ذلك طريقا لا نهاية له ، من العلم اليقينيّ ، بقدرة اللّه ، وعظمته ، وجلاله . وإن بصرك إذ يعود إليك بعد هذه الرحلة الطويلة السابحة في ملكوت اللّه ، سيعود إليك « خاسئا » أي منزجرا ، مرتدّا في استخزاء ، أمام هذا الجلال الذي ببهر الأبصار ، ويخلب العقول ، بعد أن يبلغ به التعب والإعياء غايته ، وبعد أن يرى الإنسان الذي حصّل ما حصل من علم الدارسين المتفحصين ، أنه ما زال على شاطئ بحر لا نهاية له ! ! والحسير : المتعب الكليل ، الذي أعيا من طول النظر . . ويجوز أن يكون المعنى على صورة أخرى ، وهي أنه مهما عاود الناظر النظر والبحث وراء الوقوع على تفاوت في خلق الرحمن ، فإنه لن يجد شيئا من هذا ، ولو أجهده السير ، وطال به المطاف ، حتى يسقط إعياء . . وهذا يعنى أن العلم وحده لا يقيم الإنسان على إيمان يقينىّ ، إلا إذا التقى هذا العلم بقلب سليم ، تنقدح فيه شرارة العلم ، فيضىء بنور الحق والهدى . وفي هذا ما يشير إلى أن العقل ، وإن كان من المطلوب منه أن ينظر في ملكوت اللّه ، وأن يقرأ في صحف الوجود ما شاء من آيات اللّه - فإن عليه أن يعلم أنه على ساحل محيط لا نهاية له ، وأنه إذا أراد أن يحتوى كلّ ما في هذا الوجود ، فإن ذلك لن يقع له ، ولن يجد آخر المطاف إلا العجز والإعياء . . فليرض إذن بما يقع له من علم ، وليتخذ من هذا العلم ، الشاهد الذي يقيم في قلبه إيمانا وثيقا باللّه ، وبماله من قدرة ، وعلم ، وحكمة ، وجلال . . فذلك حسبه من العلم الذي يبلغ به شاطئ الأمان . . قوله تعالى : * « وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ » هو إشارة