عبد الكريم الخطيب
611
التفسير القرآنى للقرآن
بأن ينزع عن هذا اللمم ، ما دام هذا الشعور بالخوف من اللّه قائما في قلبه ! . . وإنه لمن التأويل الفاسد والفجور الآثم ، أن يقف المؤمن عند حدود الفاحشة ، فلا يأتيها ، ثم يستبيح لنفسه الحوم حولها ، والإلمام بها ، وغشيان حماها ، متخذا من قوله تعالى : « إِلَّا اللَّمَمَ » مدخلا يدخل به إلى مباءة الفاحشة ، دون تحرّج أو تأثم ، بهذا التأويل الفاسد الآثم ، الذي يتأول عليه بعض المتأولين . وكلّا ، فإن اللمم بالفاحشة ذريعة إلى الفاحشة ، وطريق ممهد إليها . . وأن من يحوم حول الحمى يوشك أن يواقعه ، كما يقول الرسول الكريم . . وإن سدّ الذرائع أمر من أوامر الإسلام ، وشريعة من شرائعه . . فقد حرمت الشريعة قليل الخمر ، ولو قطرات ، كما حرمت كثيره ، لأن قليله يدعو إلى كثيره ، المفضى إلى السكر الذي هو علة تحريم الخمر . . فكذلك اللمم من الفاحشة ، كالنظرة الفاجرة ، أو الخلوة بغير المحرم من النساء ، أو اللمس ، أو التقبيل . . فهذا وإن لم يكن الفاحشة التي هي الزنى ، فإنه الطريق إلى الزنى ، والمحرك للشهوة ، والمطلق لها من عقالها ، الأمر الذي إن حدث ، غلب الإنسان على أمره ، وأفلت الزمام من يده ، فوقع في المحذور الذي يتوقاه . . فاستثناء اللمم ليس مبيحا له في الآية الكريمة ، أو رافعا الإثم عنه ، بل هو مأثم ، إن لم يكن في عظم مأثم الفاحشة نفسها ، فهو بعض منها . . وهذا الاستثناء ، إنما هو من باب الرحمة بالإنسان ، والتخفيف عن ضعفه البشرىّ ، في حال - وليس في مطلق الأحوال - يغلبه فيه ضعفه ، فتندّ منه النظرة ، أو تفلت منه الهفوة ، ثم سرعان ما يدركه إيمانه ويهتف به وازع الخشية من ربّه ، فيرجع إلى ربّه من قريب ، فيجد ربّا غفورا ، رحيما ، يلقاه بالمغفرة