عبد الكريم الخطيب

606

التفسير القرآنى للقرآن

وارد من موارده . . وإنما هو عن ظنون وأوهام ، وإن الظن إذا لم ينته بصاحبه إلى اليقين ، هو ضلال مبين « لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » أي لا يقوم مقام الحق في أي موقع من مواقعه ، ولا يمسك الممسك به إلا بقبض من ريح ! . قوله تعالى : « فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا » . هو استخفاف بهؤلاء المشركين المعاندين ، وأنهم ليسوا أهلا لأن يرص عليهم ، ويبالغ في الطلب لخلاصهم . . فليتركوا ليد الهلاك والضياع . . فذلك هو جزاء الظالمين . . إنهم أعرضوا عن ذكر اللّه ، وردّوا اليد المبسوطة لهم بالهدى ، وأبوا أن يؤمنوا بالآخرة ، وأن يعملوا لها ، وجعلوا الحياة الدنيا هي كل حياتهم ، فأغرقوا أنفسهم فيها ، واستهلكوا وجودهم في السعي لها . . قوله تعالى : « ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى » . أي ذلك الذي يعيش فيه المشركون ، من إعراض عن ذكر اللّه ، وعن الخشية من لقائه يوم القيامة ، واستفراغ وجودهم كله في الحياة الدنيا - هو غاية علمهم الذي حصّلوه بعقولهم الفاسدة . . فهم إنما كان همّهم كله منصرفا إلى الحياة الدنيا ، فوجهوا عقولهم إليها ، وحصلوا من العلم ما يصلهم بهذه الحياة ، ويمكن لهم فيها . . وهو علم تافه ، يمسك بالقشور من حقائق الأشياء ، ولا ينفذ إلى صميمها ، ولبابها . . ولو أن علمهم بالحياة الدنيا ، كان علما قائما على فهم صحيح ، وإدراك سليم ، لكان لهم من هذا العلم سبيل إلى الإيمان باللّه ، واليوم الآخر . . « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » ( 7 : الروم ) . .