عبد الكريم الخطيب
600
التفسير القرآنى للقرآن
وهذا تعليل مردود من وجوه : فأولا : أن الفاصلة - كما قلنا - في أكثر من مرة - لا ينظر إليها في القرآن الكريم من وراء المعنى ، فهي تبع للمعنى ، وليس المعنى تبعا لها . . وثانيا : أن « الأخرى » جاءت هنا وصفا لمناة ، بعد وصفها بأنها الثالثة . . فهي وصف متعيّن لها دون غيرها ، وإحالته إلى غيرها تبديل لكلمات اللّه . . وثالثا : أن وصف مناة بالأخرى ، بعد وصفها بأنها الثالثة ، ليس مرادا به آخر المعبودات التي تقع تحت أبصار المشركين ، بل هناك غيرها كثير . . وإنما المراد بهذا الوصف استثقال هذه المسميات ، وقطع الحديث عما لم يذكر منها ، وأن مناة هي آخر ما يذكر من هذه الشناعات ، التي تتأذى بسماعها النفوس ! إنها ثالثة الأثافىّ ، أو ثالثة الهموم ، وإن النفس لتضيق بهمّ واحد ، فكيف بهمّ ، وثان ، وثالث ؟ ولو كان همّا واحدا لاحتملته ولكنه همّ وثان وثالث ! قوله تعالى : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ! » هو استفهام إنكاري ، ينكر على المشركين ضلالهم في أسماء هذه المسميات بعد أن أنكر عليهم المسميات ذاتها . . فهي ذاتها مسميات باطلة ، والأسماء التي ركبت عليها أسماء باطلة كذلك ، إذا أطلقوا عليها أسماء مؤنثة - ، وجعلوها من عالم الإناث . . وهي في حقيقتها ليست ذكورا ، ولا إناثا ، لأنها من عالم الجماد ، الذي يقبل من الأسماء ما كان على لفظ المذكر أو المؤنث . . فلما ذا اختاروا لمعبوداتهم جميعها أسماء مؤنثة ؟ ولم لم يجعلوها مذكرة ؟ ولم لم يجعلوا بعضها مؤنثا وبعضها مذكرا ؟ إن ذلك كلّه لا يغير من حقيقتها شيئا . .