عبد الكريم الخطيب

575

التفسير القرآنى للقرآن

خلقوا السماوات والأرض ؟ ذلك أبعد وأغرب . . ! وقوله تعالى : « بَلْ لا يُوقِنُونَ » - هو استدراك على سؤال يرد على قوله تعالى : « أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ » وهذا السؤال هو : وهل ينكر المشركون أن اللّه هو الذي خلق السماوات والأرض ؟ وكيف واللّه سبحانه وتعالى يقول عنهم : « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ » ( 9 : الزخرف ) فكيف يسألون هنا هذا السؤال الذي فيه اتهام لهم بالقول بأن للسماوات والأرض خالقا غير اللّه ؟ فكان قوله تعالى : « بَلْ لا يُوقِنُونَ » دافعا لهذا الذي يقع في الوهم من تعارض بين سؤالهم سؤال المتهم ، في قوله تعالى : « أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » وبين إقرارهم بما يدفع هذه التهمة عنهم في قوله تعالى : « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » * . ( 25 : لقمان ) وذلك أن قوله تعالى : « بَلْ لا يُوقِنُونَ » يكشف عن حقيقة إقرارهم بأن اللّه هو الذي خلق السماوات والأرض . . فهو إقرار لا يقوم على استدلال وبحث ، ونظر . . ومن ثمّ فلا يقع منهم موقع اليقين . . فلم يكن إقرارهم بما أقروا به ، إلّا عن قهر واضطرار ، إذ لم يجدوا بدّا من التسليم بأن اللّه هو الذي خلق السماوات والأرض ! أمّا هذا الخالق ، وقدرته ، وعلمه وحكمته وسلطانه ، فلم يكن له مفهوم واضح يقوم على إدراك سليم عندهم . . ولو كان هذا الإقرار قائما على إدراك صحيح ، وفهم سليم ، لكانوا مؤمنين به ، مصدقين لرسوله ، مؤمنين بآيات اللّه التي بين يديه . . وهكذا كل قول لا يقوم على علم لا يبعث في صاحبه يقينا بمفهوم هذا القول ، ولا يحدث في نفسه أثرا يثير وجدانه ، ويحرك مشاعره ، ويؤثر في منازعه . . فهذا هو كلام اللّه ، يمسك بالحقائق من أطرافها جميعا : « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » ( 82 : النساء ) .