عبد الكريم الخطيب

1039

التفسير القرآنى للقرآن

وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » ( 2 : التغابن ) أي خلقكم فمنكم من كانت خلقته مهيأة للإيمان مستعدة له ، ومنكم من كانت خلقته لا تقبل الإيمان أبدا . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ » ( 125 : الأنعام ) وثانيا : أن احتكاك الشر بالخير ، كثيرا ما تتولد عنه دوافع قوية ، تغرى الخير بالتشبث بموقفه ، وإطلاق جميع القوى الكامنة فيه ، لدفع هذا الخطر الذي يتهدده . . وإنه لولا هذا الاحتكاك ، بين الشر والخير ، لظلّت كثير من قوى الخير كامنة ، ساكنة أشبه بالطيب في العود ، لا يفوح طيبه إلا عند حكه أو عرضه على النار . . كما يبدو ذلك في امرأة فرعون . وهذا يعنى أن ما يبتلى به المؤمنون ، الذين صدق إيمانهم ، هو تثبيت لهذا الإيمان ، وإظهار لكرم جوهره ، وصفاء عنصره . . وثالثا : أن الخير وإن كان قليلا في كمّه ، فإنه كثير في كيفه وأن قوى الشر كلها مجتمعة ، لا تستطيع أن تطفئ شعلة الإيمان التي احتواها قلب مؤمن ، وإن استطاعت أن تخمد أنفاس هذا المؤمن ، وتزهق روحه . . وهذه امرأة فرعون ، تقهر بإيمانها جبروت هذا الجبار ، وتذلّ كبرياءه ، وتلفظه زوجا ، وتلفظ سلطانها ، ملكة غير آسفة عليه ، أو على سلطانها ، أو حياتها ، في سبيل الاحتفاظ بهذه الشعلة المقدسة من نور الإيمان ، مضيئة في قلبها .