عبد الكريم الخطيب

565

التفسير القرآنى للقرآن

وقد يعترض على هذا ، بأنه مخالف لما هو معروف بأن الجنة - ليست جنّة واحدة ، وإنما هي جنات ، وهي منازل ، ولكل جنة أصحابها ، ولكل منزلة أهلها . . ويدفع هذا الاعتراض : أولا : أن أهل الجنة ، أو الجنات ، ليس بينهم هذه العزلة الجامدة الباردة ، التي تقيم كل طائفة في معزل عن الآخرين ، بل إن أهل الجنة وإن اختلفت منازلهم ، وتباينت درجاتهم ، هم في عالم واحد ، مطلق ، لا حدود فيه ولا قيود . . وهل تكون جنة ويكون نعيم ، ثم يقام على هذه الجنة وذلك النعيم حارس ؟ . وثانيا : هذا الاختلاف الذي بين درجات أهل الجنة ومنازلهم عند اللّه ، هو اختلاف في درجة التقبّل للنعيم ، وفي مدى القدرة على التناول من هذا النعيم الذي لا ينفد أبدا . . فهناك نفوس كبيرة تستوعب نعيم الجنة كله ، وتلذّ به ، على حين أن هناك نفوسا صغيرة تأخذ من هذا النعيم حسوا كحسو الطير ، ثم تجد في ذلك شبعها وربّها . . إنها موائد ممدودة ، عليها ما لا يبلغه الوصف من طيبات النعيم . . وإنه لا يردّ أحد عن أي لون من ألوان هذا النعيم ، بل إن كل ما يطلبه المرء منه يجده حاضرا بين يديه . . ولكن هنا يختلف أهل الجنة في قدرتهم على الأخذ من هذا النعيم ، الذي بين أيديهم ، فبعضهم يأخذ القليل لأنه لا شهوة له إلى أكثر من هذا القليل ، على حين يكون هناك من يجدون القدرة والاشتهاء لكل ما في الجنة من ألوان النعيم فيذوقون من كل لون ، ويطعمون من كل صنف . . تماما كما نرى ذلك في الحياة الدنيا ، حيث يجلس المدعوّون إلى