عبد الكريم الخطيب
957
التفسير القرآنى للقرآن
حقيقة ما يقولون ، إذ كان ما يقولونه على خلاف ما يعتقدون ، وكان ما يجرى على ألسنتهم مكذّبا لما في قلوبهم . . قوله تعالى : * « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » . . الجنة : السّتر الذي يجنّ ، أي يستر من يستجنّ به . . وبه سمى الدرع مجنّا ، لأنه يحمى لابسه من أن تناله الطعنات في الحرب . . ومنه الجنون ، لأنه يستر عقل صاحبه من أن يرى حقائق الأمور . . أي أن المنافقين - لما يشعرون به من أنهم كاذبون فيما يقولون - يحاولون دائما أن يبرروا أقوالهم ويزكوها بالحلف ، كي تقع من النفوس موقعا ، ولو أنهم كانوا صادقين فيما يقولون ، لما لزمهم أن يحلفوا ، لأن الصدق مستغن بذاته عن أي مبرر يبرره ، وينزله منزلته من العقول والقلوب . . وقوله تعالى : « فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » - هو تعقيب على قوله تعالى : « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً » والفاء للسببية ، أي أنهم بسبب ما نسجوا للكذب من أيمان فاجرة ، بدا لهم أن هذا النسيج يستر نفاقهم ، ولهذا صدّوا عن سبيل اللّه ، واتخذوا سبيلا غير سبيل المؤمنين ، وهم على ظنّ بأن أحدا لن يراهم ، على غير طريق الإيمان ، وهم مستجنّون بهذه الأيمان التي بذلوا لها بسخاء ، في معرض الإخبار عن أنهم مؤمنون باللّه ورسوله . .