عبد الكريم الخطيب
947
التفسير القرآنى للقرآن
الآية » - جاء مخزيا اليهود ، ومبطلا ادعاءهم ، بأنهم قد استأثروا بفضل اللّه . . ونعم ، إن اللّه قد ساق إليهم فضلا ، وأنزل إليهم التوراة فيها هدى ونور . . ولكن ليس كلّ من كانت بين يديه نعمة ، مستفيدا منها ، بل إنه كثيرا ما تكون النعمة نقمه حين لا تجد من يحفظها ، ويرعاها حقّ رعايتها . . إنها تكون حينئذ أشبه بالغيث يقع على الأرض السبخة فلا تستجيب له ، ولا تتفاعل معه ، وسرعان ما يفسد ، ويتحول إلى ماء آسن ، ينبث في أحشائها الهوامّ والديدان . . وهؤلاء اليهود ، قد حمّلوا التوراة ، وكلّفوا العمل بها ، ولكنهم لم يحسنوا العمل ، بل اختلفوا فيها ، وتأولوها تأويلا فاسدا . . فكان مثلهم في هذا كمثل الحمار ، يحمل كتبا ، تثقل ظهره ، وتصبح علة ملتصقة به ، دون أن يفيد منها شيئا . . وفي تشبيه اليهود - حملة التوراة - بالحمار الذي يحمل أسفارا ، ما يكشف عن طباع هؤلاء القوم ، وعن بلادة حسّهم ، وعن قبولهم الهوان والذلّة ، وأنهم في هذه الدنيا أشبه بالحمر ، يسخرها الناس للحمل والركوب . . فالحمار من بين حيوانات الركوب جميعا ، أكثرها هوانا على الناس ، وأخسّها مطية للركوب . . لا يتخذه كرام الناس مركبا لهم . . وفي هذا يقول الشاعر : ولا يقيم على ضيم يراد به * إلّا الأذلّان عير الحىّ والوتد هذا الخسف مربوط برمّته * وذا يشجّ فلا يرثى له أحد ولا يفترنّ أحد بما يبدو في ظاهر الأمر من أحوال اليهود ، ومن ظهور بعض العلماء فيهم ، ومن تمكنهم من كثير من المرافق العاملة في الحياة ؛ فهذا كلّه ثمن للهوان الذي استساغوا طعامه ، تماما كما يزيّن بعض الحمير أحيانا