عبد الكريم الخطيب

556

التفسير القرآنى للقرآن

في دورتها مع دورة الأرض حول نفسها ، كما يقول اللّه تعالى : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ( 88 : النمل ) . . ويراها وكأنها وقد نسفت ، وزايلت مواضعها من الأرض ، شأن من ينظر إلى الأرض من علو شاهق ، فتبدو له وكأنها سطح مستو لا أغوار فيه ، ولا نجود . . ويراها من هذا العلو وكأنها العهن المنفوش ، أشبه بذرات متطايرة فوق سطح الأرض . . ويراها ، ويرى الأرض معها كرة معلقة في الفضاء ، قد اندمج بعضهما في بعض ، فصارا كيانا واحدا : « لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً » ( 107 : طه ) . . ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) ( 14 : الحاقة ) . . هكذا تبدو الجبال ، على صور شتى ، بين الصغر والكبر ، وبين الظهور والخفاء ، حسب الأفق الذي يشرف منه الإنسان عليها يومئذ . ولقد أحسن الشاعر « شوقى » غاية الإحسان ، في تصوير الطائرة ، وهي تنطلق مصعدة في السماء ، وكلما ارتفعت كان لها في موقع البصر صورة ، على غير سابقتها أو لاحقتها . . يقول شوقى : ثم تسامت فكانت أعقبا فنسورا . . فصقورا . . فحماما أمّا السماء وعوالمها ، فإنه يقع عليها من التبدل والتحول ، في نظر الإنسان ، ما وقع له في العالم الأرضي من تحول وتبدل . . إنه يرى السماء ، التي - كانت تبدو له في دنياه سقفا صفيقا مصمتا - يراها ، وقد فتحت فكانت أبوابا ، وكانت فروجا ، وإذا سقفها هذا قد بدا واهيا ، لا يحول بينه وبين اختراق أجوائها إلى غير حدود . .